سلا: فضيحة سند طلب بمقاطعة بطانة.. نقل 1044 طفلًا بمبلغ مشكوك فيه يثير شبهات تلاعب بالمال العام

أثار إعلان سند الطلب الصادر عن مقاطعة بطانة، والمرتبط بتكاليف نقل الأطفال إلى مخيمات صيفية في عدة مدن مغربية، جدلًا واسعًا في أوساط المتتبعين للشأن المحلي، وسط شبهات قوية بوجود خروقات واضحة سواء على مستوى منطق الكلفة أو في الخلفيات الحقيقية وراء الإعلان.
السند، المعلن بمبلغ إجمالي قدره 158,101.44 درهمًا، يخص نقل 1044 طفلًا ذهابًا وإيابًا إلى وجهات متعددة خلال الفترة ما بين 14 يوليوز و31 غشت 2025، من بينها مدن بعيدة مثل آسفي (بدوݣة)، سيدي إفني (مير اللفت)، السعيدية، الناظور (إركمان)، إفران، طنجة، الجبهة، أصيلة، الجديدة، وسيدي قاسم.
غير أن التحليل البسيط للأرقام يُظهر فجوة حقيقية بين حجم المستفيدين وعدد الرحلات والكلفة الإجمالية المرصودة، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول منطق تدبير هذا السند. فمثلًا، الرحلة بين سلا وسيدي إفني لعدد 50 مستفيدًا لا تقل كلفتها عن 420 درهمًا للشخص، أي ما يقارب 21 ألف درهم. وفي حالة الناظور، مع 109 مستفيدين، فإن كلفة الرحلة الأدنى تقدّر بـ 400 درهم، أي ما مجموعه أكثر من 43 ألف درهم. أما الرحلة إلى الجبهة بـ150 مستفيدًا، فتتجاوز كلفتها الإجمالية 45 ألف درهم، والسعيدية بدورها تتطلب قرابة 22 ألف درهم لـ50 مستفيدًا فقط.
بمجموع تقديري، فإن أربع وجهات فقط من أصل 11 تغطي وحدها أكثر من 130 ألف درهم، مما يجعل المبلغ الإجمالي المعلن في السند غير منطقي، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى واقعية الأرقام، بل وحتى نزاهة العرض.
ويشير السند أيضًا إلى إنجاز 20 رحلة، وهو رقم يصعب تدبيره في ظل المبلغ المرصود، مع افتراض احترام شروط النقل القانوني والسلامة وجودة الخدمة، مما يدفع إلى التساؤل ما إذا كان الهدف الحقيقي هو النقل فعلاً، أم أن هناك نية مبيّتة لتوجيه هذا السند لأغراض أخرى لا علاقة لها بالمخيمات الصيفية.
ولم تستبعد مصادر مطلعة أن يكون هذا السند مجرد غطاء قانوني لتصريف اعتمادات ميزانية الصيف، كما يحدث في حالات مماثلة داخل بعض الجماعات، حيث يتم الإعلان عن سندات طلب رغم معرفة مسبقة بعدم قابليتها للتنفيذ الكامل.
هذا الواقع يفرض تدخلًا عاجلًا من وزارة الداخلية عبر إيفاد لجنة تفتيش لكشف ملابسات هذا السند، وتحديد الجهة المستفيدة، والتأكد من مدى احترام المعايير القانونية والتقنية في عملية تدبيره. فليس من المعقول أن تتحول برامج موجهة للأطفال إلى مجرد واجهة شكلية لتمرير نفقات في غياب الشفافية والمحاسبة.
إن ما يقع اليوم لا يمثل فقط خللًا في الكلفة، بل في الفلسفة التي من المفترض أن تقوم عليها مثل هذه المبادرات الاجتماعية. وإذا لم تتحرك الجهات الرقابية بسرعة، فإن الثقة في تدبير المال العام محليًا ستتلقى ضربة جديدة، وهذه المرة باسم الطفولة.