مهرجان وليلي بمكناس.. 24 سنة من التكرار وهدر المال العام باسم الثقافة

منذ 24 سنة، يخرج مهرجان وليلي الدولي لموسيقى العالم التقليدية إلى الوجود، تحت شعارات رنانة من قبيل “رد الاعتبار للموروث الثقافي” و”تعزيز الإشعاع الفني” و”الانفتاح على ثقافات العالم”، لكن، وبعد ربع قرن من التظاهرات والبلاغات والعروض “التراثية”، لم يُسجل المتتبعون ولا المهتمون ولا حتى ساكنة مكناس أي أثر فعلي لهذا المهرجان، سوى استنزاف متواصل للميزانية العمومية باسم الثقافة.

دورة تلو الأخرى، يتكرر نفس الخطاب، ونفس الأسماء، نفس الصيغة، ونفس الرؤية الغامضة لمهرجان يُنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة، لكن بدون أثر يُذكر على مستوى المدينة، لا اقتصاديا، ولا سياحيا، ولا ثقافيا، فقط فرق تستعرض عروضًا في ساحة الهديم والموقع الأثري وليلي، ثم تعود الأمور كما كانت.

ما يثير الاستغراب أن وزارة الثقافة تتحدث عن 50 عرضًا فنيًا وفرق من دول “صديقة”، لكن دون أي مؤشرات على تقييم حقيقي للوقع المحلي للمهرجان، أو إشراك فعلي لساكنة المدينة، أو حتى استثمار ثقافي مستدام في الموقع الأثري الذي يظل مهمّشًا طيلة السنة.

أكثر من ذلك، فإن مهرجان وليلي لا يمتلك إلى اليوم لا تصورًا واضحًا ولا هوية فنية محددة، ولا حتى استراتيجية تطوير تجعل منه مهرجانًا دوليًا حقيقيًا يمكن أن ينافس تظاهرات مماثلة في العالم، كما تدعي الوزارة في بلاغاتها.

فالوجوه المكررة على الخشبة، والبرمجة المفككة، وانعدام التنسيق مع الفاعلين الثقافيين المحليين، جعلت من المهرجان تظاهرة مغلقة على نفسها، تعيد إنتاج العجز الثقافي بدل تجاوزه، وتعيد طرح سؤال جوهري هو، لماذا يُصر القائمون عليه على استمراره؟ ولمصلحة من؟

فإذا كانت الثقافة رافعة للتنمية، كما تُصرّ وزارة الشباب والثقافة والتواصل على ترديده، فإن ما نشاهده كل سنة بمهرجان وليلي ليس تنمية، بل نموذج لما لا يجب أن يكون، حدث ثقافي “ورقي” لا يحمل أي وقع فعلي، يُهدر فيه المال العام باسم التراث، ويمر دون أن يترك أثرا أو ذكرى أو جدوى.

لقد آن الأوان اليوم لوقفة تقييم صريحة وجريئة، ليس فقط لإعادة النظر في المهرجان، بل للسؤال علانية، هل ما يُنظم اليوم في وليلي ومكناس هو حقًا مهرجان؟ أم مجرد استعراض سنوي يتستر بشعارات فارغة ويُصرف من ميزانيات تحتاجها الثقافة الحقيقية؟

إن الحديث عن إلغاء هذا المهرجان بات مطلبًا مشروعًا، إلى أن يُعاد التفكير فيه من الصفر، برؤية حديثة، وبمنطق الأثر، لا بمنطق “البهرجة” و”تدوير الوجوه” و”تسويق الفراغ”، لأن الثقافة، مثلها مثل أي قطاع عمومي، تحتاج إلى نتائج ملموسة لا إلى مجرد نوايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *