فؤاد السعدي يكتب: ملف الصحراء المغربية.. نهاية الوهم

كل المؤشرات القادمة من عواصم القرار الدولي، من نيويورك إلى واشنطن، ومن لندن إلى باريس ومدريد، تقود إلى استنتاج بات صعبًا تجاهله، حتى على خصوم الوحدة الترابية أنفسهم وهو أن ملف الصحراء المغربية، الذي عمَّر أكثر من أربعة عقود، لم يعد كما كان، ولم يعد مجالًا لمناورة دبلوماسية أو مجالًا للاستغلال الإيديولوجي البارد، بل أصبح الآن أقرب من أي وقت مضى إلى الحسم الفعلي والنهائي. وأن من سيخسر في النهاية هي الجزائر ومعها الجبهة الانفصالية التي احتضنتها، وغذّتها، وراهنَت عليها طيلة سنوات، لتصبح اليوم عبئًا يُرهقها سياسيًا واقتصاديًا وحتى أخلاقيًا.

ما يحدث اليوم ليس فقط تحوّلًا في مواقف بعض الدول المؤثرة، بل إعادة صياغة شاملة للتوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وحتى الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، لم يكن مجرد ورقة دبلوماسية عابرة، بل لحظة مفصلية في فهم العالم لحقيقة النزاع. فرغم تعاقب الإدارات في البيت الأبيض، فإن موقف واشنطن ظل ثابتا ولم يتغير، ليس فقط لأن المغرب حليف استراتيجي موثوق، بل لأن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها هي وحدها التي توفر حلاً واقعيًا وقابلًا للتطبيق.

هذا التوجه الداعم لمغربية الصحراء لا تقوده الولايات المتحدة وحدها، بل حتى فرنسا، فرغم تغير المزاج السياسي داخلها، ما تزال تعتبر الحل المغربي هو الأكثر جدية ومصداقية. إسبانيا بدورها، خرجت من دائرة التردد الرمادي واعترفت بوضوح بالمبادرة المغربية، أما بريطانيا، فتسير في الاتجاه نفسه عبر خطوات دبلوماسية متدرجة، لكنها ثابتة.

الأكيد أن التحركات الدولية ليست فقط سياسية، بل تشمل جوانب قانونية وأمنية كذلك، على اعتبار أن هناك مشاريع قوانين قيد الدراسة في عدد من البرلمانات الأوروبية، تروم تصنيف جبهة البوليساريو ضمن التنظيمات التي لها ارتباطات مفترضة مع جماعات التهريب والجريمة المنظمة في الساحل والصحراء. هذا التطور، إن تم فعلا، سيكون بمثابة الضربة القاضية التي ستقسم ظهر الكيان الانفصالي الذب ظلّ يستفيد من غموض المواقف الدولية، ويحتمي بخطاب “الضحية التاريخية” لتبرير وجوده.

في المقابل، يعيش النظام الجزائري نوعًا من العزلة المتفاقمة، ودبلوماسية فقدت زخمها، واقتصاد في أزمة، ونظام سياسي مأزوم يحاول عبثًا التغطية على إخفاقاته الداخلية بالاستثمار في نزاع خارجي بات العالم كله يعرف أنه مفتعل. والمحصلة أن الجزائر أنفقت مليارات الدولارات لدعم البوليساريو، لكنها لم تقدر على توفير أبسط شروط العيش الكريم في ولاياتها الداخلية، راهنت على شرذمة معزولة، بالمقابل خسرت ثقة محيطها الجغرافي، وخسرت أكثر حين أصرّت على تعطيل مشروع الاتحاد المغاربي بسبب تعنتها العدائي تجاه المغرب.

الحسم السياسي يقترب أيضًا من بوابة الأمم المتحدة، نقرؤها من خلال تصريحات المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا الذي كشف على أن الأشهر القادمة ستكون حاسمة. كلهذا لا يأتي من فراغ، بل يعكس حجم التراكمات التي حصلت في السنوات الأخيرة، سواء على مستوى دينامية التنمية في الأقاليم الجنوبية المغربية، أو على صعيد الاختلالات التي بدأت تطفو على سطح مشروع الانفصال.

موقف المغرب، كما عبّر عنه السفير عمر هلال، ليس فقط جاهزية للتفاوض في إطار الحكم الذاتي، بل قناعته بأن “العد العكسي للحل قد بدأ فعلاً”، ليس من باب التفاؤل الخطابي، بل من باب الواقعية السياسية التي تفرضها معطيات الميدان، والتحول الدولي تجاه الفهم الحقيقي لطبيعة الصراع.

وهنا لا بد من التأكيد أن الخسارة ليست فقط عسكرية أو دبلوماسية بالنسبة للجزائر، بل خسارة رمزية عميقة. والدليل عقود من الترويج لخطاب “تحرير الشعوب”، انهارت تحت ثقل حقيقة أن الجزائر نفسها تمنع شعبها من التعبير، وتمنع الصحافة من الوصول إلى تندوف، وتمنع حتى الأمم المتحدة من مراقبة الوضع الحقوقي في مخيمات مغلقة خارج القانون.

ففي الوقت الذي يراكم فيه المغرب الإنجازات التنموية في العيون والداخلة ويوقّع شراكات اقتصادية مع كبريات الدول، ويؤسس لموانئ كبرى وبنيات تحتية عالمية، ما زالت قيادة البوليساريو تعيش في زمن البلاغات الخشبية والخيام البالية التي لم تعد تقنع حتى من يسكنها.

إن الحسم لن يكون لحظة واحدة، بل مسارًا متدرجًا يمر من الدبلوماسية، ويتعزز بالواقع الميداني، ويكتمل باعتراف أممي لا محيد عنه. والمؤشرات كلها توحي أن هذا المسار قد قطع أشواطًا حاسمة، وأن ما تبقى ليس إلا تفاصيل في مشهد تُكتب نهايته.

والنتيجة في نهاية المطاف أن الجزائر خسرت رهانها، ليس لأن المغرب ربح المعركة فقط، بل لأنها راهنت على وهم، وعلى كيان لم يكن له مستقبل، في حين اختار المغرب أن يستثمر في الأرض، وفي الإنسان، وفي الشرعية، فكان أن انتصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *