مخطط المغرب الأخضر تحت مجهر المحاسبة.. انتقادات حادة لأخنوش وتبخر وعود التنمية الفلاحية

بعد سنوات من التعامل معه كـ”علبة سوداء” يمنع الاقتراب منها أو مساءلة نتائجها، تم يوم الثلاثاء 1 يوليوز الجاري عقد أول اجتماع رسمي للمجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم مخطط المغرب الأخضر، الذي كان قد أطلقه وأشرف عليه عزيز أخنوش خلال فترة توليه لوزارة الفلاحة.
وجاء الاجتماع في سياق سياسي واجتماعي مشحون، تطبعه انتقادات متصاعدة للمخطط الذي وعد في بداياته برسم خارطة طريق تنموية طموحة للقطاع الفلاحي، لكنه انتهى، بحسب تقييمات متعددة، إلى إنتاج أزمات بيئية واجتماعية واقتصادية مركبة، ألقت بظلالها على ملايين المغاربة، خاصة في العالم القروي.
ووفق ما أوردته تقارير رسمية وشهادات لخبراء ومهنيين، فقد تسبب تطبيق المخطط في فقدان نحو 250 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، واستنزاف مقلق للموارد المائية، نتيجة التركيز المكثف على الزراعات التصديرية ذات الاستهلاك العالي للماء، على حساب الزراعات الغذائية الأساسية.
تقرير والي بنك المغرب، الذي قُدم إلى الملك، كان من بين المؤشرات البارزة على تغير النبرة الرسمية إزاء المخطط، حيث وصف تداعياته بـ”الكارثية”، منتقدًا ضعف التوازن التجاري الفلاحي، وغياب الأثر الاجتماعي الإيجابي للفلاحين الصغار، وتفاقم أزمة الأسعار والغذاء.
كما حمّلت رابطة المهندسين الاستقلاليين المخطط مسؤولية تفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في الأوساط القروية، معتبرة أن سياسات الدعم والتمويل رُكّزت لصالح كبار المستثمرين الفلاحيين، ما ساهم في اتساع الفجوة بين القلة المهيمنة وبقية الفاعلين في القطاع.
وكشفت بدورها دراسة حديثة مشتركة بين النقابة الديمقراطية للفلاحة وعدد من منظمات المجتمع المدني أن المخطط استنزف أكثر من 10 مليار دولار خلال عشر سنوات، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على مداخيل الفلاحين الصغار أو على تحقيق السيادة الغذائية، حيث لا تزال الصادرات الفلاحية لا تغطي سوى 48% من واردات البلاد.
وصف الخبير الجامعي محمد الناجي ما تحقق بـ”الكارثي”، مشيرًا إلى تجاهل المخطط لأهمية حماية الفرشات المائية، وتأهيل الفلاحة المعيشية، وتثمين البحث العلمي في المجال الفلاحي. كما دعا إلى تبني سياسات بديلة توازن بين الاستدامة البيئية، والسيادة الغذائية، والعدالة الاجتماعية.
في السياق نفسه، ارتفعت أصوات مدنية ومنتخبة تُطالب بالكشف عن لائحة المستفيدين الحقيقيين من امتيازات المخطط الأخضر، ونشر تقارير التقييم بشكل علني، معتبرين أن مرحلة “الإجماع الصامت” يجب أن تنتهي، لصالح مساءلة شفافة تؤسس لمرحلة جديدة من السياسات الفلاحية الواقعية والعادلة.
ويُرتقب أن يشهد هذا الملف نقاشًا سياسيًا ومؤسساتيًا واسعًا خلال الأشهر المقبلة، خاصة بعد أن بدأ يُنظر إلى فشل المخطط الأخضر كجزء من الأسباب البنيوية لتدهور الأمن الغذائي الوطني، وتأجيج الغلاء، وتصاعد الهجرة القروية.
في النهاية، فإن ما بدأ كبرنامج استراتيجي لإنعاش الفلاحة، بات اليوم تحت مجهر المحاسبة، في ظل مطالب ملحة بإعادة صياغة أولويات السياسة الفلاحية بالمغرب، بعيدًا عن المصالح الضيقة، وبما يضمن عدالة توزيعية للثروة الزراعية، وحماية الموارد الطبيعية، وتحقيق السيادة الغذائية كأولوية وطنية.