خرجات نزار البركة تشعل الجدل داخل الأغلبية.. انتقادات حادة لسياسات الحكومة الفلاحية

مرة أخرى، يعود نزار البركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، إلى إثارة الجدل بتصريحات نارية، لا ضد المعارضة، بل ضد الحكومة التي يُفترض أنه أحد أعمدتها. فخلال كلمته في المؤتمر السادس للاتحاد العام للفلاحين، لم يتردد البركة في توجيه انتقادات لاذعة لسياسات الحكومة الفلاحية، متهماً إياها بـ”الانحياز لكبار الفلاحين والمستوردين، وتهميش الفلاحين الصغار”.

هذا الخروج الإعلامي، الذي وصف فيه السياسات الفلاحية بـ”الفاشلة والمنحازة”، أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة التضامن الحكومي، ومدى انسجام الأغلبية في خطابها الداخلي والخارجي، بل يطرح سؤالاً محرجًا فيما إن كان نزار البركة وزير في الحكومة أم معارض من داخلها

ما قاله البركة أمام الفلاحين لم يكن مجرد ملاحظة عرضية، بل هجومًا ممنهجًا على خيارات استراتيجية لحكومة يقودها حليفه السياسي، عزيز أخنوش، الذي يعتبر القطاع الفلاحي من أبرز مجالات اختصاصه التاريخية. البركة لم يتردد في التصريح بأن “اللي كيستافد أكثر من السياسة الفلاحية هما الفلاحين الكبار والمستوردين”، مضيفًا أن تجاهل الفلاح الصغير بات “عائقًا حقيقيًا أمام السيادة الغذائية والنموذج التنموي”.

هذا النوع من التصريحات يعزز ما أصبح يُعرف بـ”الازدواجية السياسية” داخل الحكومة، خصوصًا وأن البركة سبق له أن فجّر، في فبراير الماضي، قضية دعم “الفراقشية” (مستوردي المواشي) بـ13 مليار درهم، وهو دعم حكومي لم يظهر له أثر في الأسعار ولا في القدرة الشرائية للمواطنين. الغريب أن الفريق البرلماني لحزب الاستقلال، الذي يقوده البركة، كان يدافع عن هذه السياسات داخل قبة البرلمان، وهو ما يثير مزيدًا من علامات الاستفهام.

خرجات نزار البركة بدأت تتحول إلى نمط سياسي متكرر، يربك المشهد الحكومي ويخلق ضبابية في المواقف، خاصة في ظل غياب توضيح رسمي من حزب الاستقلال حول ما إذا كانت هذه التصريحات تمثل خطًا سياسيا للحزب، أم أنها مجرد اجتهادات شخصية للأمين العام، ضمن حسابات تموقع سياسي استعدادًا لما بعد 2026.

وتتساءل أطراف سياسية ومتابعون للمشهد، إن كان نزار البركة يسعى إلى لعب دور “المعارضة من داخل الحكومة”، وهي استراتيجية مألوفة في المشهد الحزبي المغربي، يُراد بها الحفاظ على مكاسب التسيير الحكومي، دون التفريط في الشعبية الميدانية. أو ربما الأمر لا يعدو أن يكون مجرد خروج إعلامي مدروس، يستهدف استقطاب الفئات المتضررة من السياسة الفلاحية، في ظل ازدياد الاحتقان الاجتماعي.

في كل الأحوال، فإن تكرار مثل هذه التصريحات من طرف وزير داخل الحكومة يضع مفاهيم التضامن والتنسيق السياسي بين مكونات الأغلبية على المحك، ويغذي الشكوك حول الانسجام الحكومي، ويضعف صورة الجهاز التنفيذي أمام الرأي العام، خصوصًا في قضايا تمس معيش المواطن بشكل مباشر، كالفلاحة، والأسعار، والسيادة الغذائية.

ويبقى السؤال الأهم: هل نزار البركة يُحضّر لمرحلة جديدة من التموضع الحزبي، أم أنه يُمارس فقط نوعًا من الضغط الداخلي لإعادة توجيه السياسات؟
أم أن الأمر أبسط من مجرّد ازدواج في الخطاب من وزير لم يحدد بعد موقعه الحقيقي بين الحُكم والمعارضة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *