شركات المحروقات ترفع الأسعار بالمغرب مجددًا ومجلس المنافسة في قفص الاتهام

في خطوة أثارت الكثير من الغضب والاستغراب، عادت شركات المحروقات في المغرب إلى نهج سياسة الزيادات، حيث تم رفع سعر البنزين بـ 40 سنتيما للتر، و30 سنتيما بالنسبة للغازوال، وذلك دون أي تغيّرات جوهرية في سعر برميل النفط عالميًا تبرر هذا القرار.

الزيادة الأخيرة جاءت في وقت تعرف فيه أسعار النفط في السوق الدولية شبه استقرار، بل إن المخزون الذي تعتمد عليه الشركات تم شراؤه في وقت كانت فيه الأسعار في أدنى مستوياتها خلال الأشهر الماضية، ما يجعل التبريرات الاقتصادية غير مقنعة، ويطرح أسئلة حقيقية حول منطق التسعير ومن يتحكم فيه فعليًا.

وإذا كانت شركات التوزيع تُفترض فيها الشفافية وربط الأسعار بالسوق العالمية، فإن الممارسة في الواقع توضح أن السوق المغربية لا تخضع لقواعد المنافسة، ولا لآليات السوق الحر الحقيقي، بل تُدار بقرارات متزامنة وتفاهمات غير معلنة بين الفاعلين الكبار.

هذا ما أكدته الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، والتي نددت في ندوة صحفية أخيرة بما وصفته بـ”غياب المصداقية” و”انعدام الشجاعة” في رأي مجلس المنافسة بخصوص أسعار المحروقات. الجبهة وصفت موقف المجلس بـ”المخترق” بوجهات نظر الأطراف المتحكمة في السوق، مؤكدة أنه تحاشى تسمية الأمور بمسمياتها، وتجنب الخوض في جوهر الإشكال.

فالواقع، كما تشير الجبهة، أن خمس شركات كبرى (أفريقيا، شيل، طوطال، بتروم، وونكسو) تتحكم في أكثر من 70% من السوق، فيما تستحوذ ثلاث فقط (أفريقيا، شيل، وطوطال) على 54% من حصة التوزيع، مما يخلق حالة احتكار ناعم تمارس فيه الشركات الكبرى هيمنتها بعيدًا عن أي رقابة حقيقية أو مساءلة شفافة.

وما يزيد الوضع اختناقًا، هو حذف دعم المحروقات دون تفعيل أي آليات لحماية المواطنين من تقلبات الأسعار، أو تعويض الفئات المتضررة، ما جعل الأسعار تتجاوز القدرة الشرائية للمواطن، وتضرب في الصميم القدرة التنافسية للمقاولات المغربية.

الجبهة أشارت أيضًا إلى ممارسات منافية للمنافسة، من بينها تحديد الأسعار بالتزامن بين الشركات، تبادل الأسرار التجارية، التخزين والشراء المشترك، وفرض شروط إذعان على المحطات الحرة، تصل أحيانًا إلى الامتناع عن التزود أو فرض الإغلاق.

وفي الوقت الذي يُفترض أن يكون مجلس المنافسة مؤسسة دستورية مستقلة تحمي السوق من التلاعبات، اختار رئيسه تقديم تبريرات واهية، دون الوقوف على مسؤولية الفاعلين الكبار، ما أفرغ دوره من مضمونه، وحوّله إلى شاهد صامت على موجات الزيادات المتكررة.

اليوم، المواطن المغربي لا يطلب سوى تفسير واحد هو لماذا تواصل الأسعار ارتفاعها رغم استقرار السوق العالمية؟ ومن يحمي المستهلك من جشع الشركات التي تتحكم في السوق بعيدًا عن منطق المنافسة والتوازن؟

الجواب، كما يبدو، لا يوجد في نشرات الأسعار، بل في الهياكل المعطوبة لمنظومة المراقبة، وفي التحالفات الصامتة بين المال والقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *