فؤاد السعدي يكتب: سجن الرأي.. حين تُستدعى العدالة لتأديب الصحافة

في مغرب اليوم، لم يعد السؤال، هل حرية التعبير بخير؟ بل أصبح السؤال هو، إلى متى سنستمر في تصفية الحسابات مع الصحافة عبر المحاكم؟

الحكم الذي صدر في حق الصحافي حميد المهداوي، بسنة ونصف سجناً وغرامة فلكية قدرها 150 مليون سنتيم لفائدة وزير، ليس شأناً قانونياً بحتاً كما يراد تقديمه، بل صفعة سياسية وأخلاقية في وجه كل من لا يزال يؤمن بأن حرية التعبير محمية بالدستور.

هذا الحكم ليس مجرّد عقوبة جسدية أو مالية، بل إعلان واضح بأن هناك خطوطًا حمراء لا تُرسم بالقانون، بل تُرسم حسب المزاج، والولاء، والعلاقات الشخصية. وإن تجاوزتَ هذه الخطوط أو فكرت حتى ذلك، فلا تنتظر حوارًا أو تفنيدًا، بل انتظر السجن فقط.

نحن لا نتحدث هنا عن نشر أخبار زائفة، ولا عن تهديد لأمن الدولة، بل عن رأي صحافي أزعج مسؤولًا سياسيًا لا يحتمل النقد. صحيح أسلوب المهداوي قد يكون حادًا وجدليًا، لكن الرد على الرأي لا يكون بالمقصلة. على اعتبار أن ما وقع ليس دفاعًا عن الشرف، بل انتقام بواجهة قانونية.

أن يُزج بصحافي في السجن عام 2025 لأنه عبّر عن رأيه، فهذه إهانة جماعية لذكاء المغاربة، وأن تُسلط عليه غرامة قد تُفلس أقوى المؤسسات الإعلامية، فهذه رسالة إلى الباقين، اخرسوا.. أو ادفعوا الثمن.

الوزير الذي لجأ إلى القضاء عوض أن يرد بالحجة، لم ينتصر لكرامته بل أضعف هيبة موقعه، لأنه في زمن المسؤولية السياسية، الرد لا يكون بالمحاكم، بل بالنقاش المفتوح، بالحوار، بالمرافعة، أما اللجوء إلى القضاء لتصفية حساب معنوي، فليس شجاعة، بل تهرّب من النقاش.

حميد المهداوي ليس معصومًا من الخطأ، وقد يُخطئ كما يخطئ أي صحافي، لكن عقابه لا يمكن أن يكون تجريده من حريته، لأننا بذلك لا نعاقب فردًا، بل نُرعب مؤسسة، ونُفرغ المهنة من جوهرها، ونحوّل الصحافة إلى مهنة الخوف والانبطاح.

والمفارقة المؤلمة أن هذا الحكم يصدر في لحظة تناقش فيها الحكومة مشاريع قوانين جديدة لتنظيم الإعلام. هل المطلوب فعلاً تحصين الصحافة؟ أم تقديم قوانين جديدة بثوب حديث لشرعنة المنع القديم؟

لن تنهار الدولة إذا نشر صحافي مقالًا مزعجًا، لكن الدول تبدأ في الانهيار حين يصبح الرأي الحر خطرًا على “الاستقرار”، وحين يُلاحق الصوت النقدي بالقانون، بينما يُترك الفساد والمحسوبية في منأى عن أي محاسبة.

أخطر ما في هذه اللحظة ليس الحكم نفسه، بل الصمت الذي يحيط به. صمت النخب، والبرلمان، والمؤسسات، والإعلام الرسمي. صمت لا يعني الحياد، بل التواطؤ، أو الخوف، أو التعود على ما لا يجب التعود عليه.

المهداوي اليوم ليس هو الموضوع، بل نحن، نعم هذا المجتمع، هذه الفكرة التي نريد أن نعيش من أجلها. لأنك إن سجنت صحافيًا اليوم بسبب رأيه، فلن تتردد غدًا في القبض على صوته، ثم على صمته، ثم على وجوده نفسه.

رفقًا بهذا الوطن يا سادة، فالأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا بالتشفي، ولا بتحويل القضاة إلى أدوات تأديب، ولا بتحويل حرية الصحافة إلى مقبرة مفتوحة. بل تُبنى بالصدق، بالنقاش، بالمواطنة التي لا تهاب قول الحق.

ومن يضيق صدره بالنقد، فالأجدر به أن يصمت، لا أن يُسكت الآخرين، لأن من لا يحتمل مقالًا، لن يصمد أمام التاريخ. لأن الحرية لا تُقنن بحسب القرب من مركز القرار، ولا تُمنح كجائزة لمن يُجيد الطاعة. فإما أن تكون حرية للجميع.. أو لا تكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *