جماعة مكناس.. المشهد السياسي المرتبك

متابعة – هيئة التحرير

المشهد السياسي بالعاصمة الإسماعيلية بكل مدخلاته لا يسر الصديق، كما لا يخدم مصالح الساكنة في شيء، السكوت الملتبس لكثير من النخب عن الإدلاء برأيهم فيما يحدث اليوم في الساحة السياسية المحلية لا يعني القبول بما يحدث أو الاستسلام لواقع الحال، ولكن هو سكوت العارف المستنكر، لأن أي حديث عقلاني في هذا الملف لن يُسمع في خضم الانشغال بالصرعات الشخصية المخفية تحت غطاء المصلحة العامة، ولن يُستوعب أيضا في ظل وضع لا يزال ملتبسا.

من أين يمكن قراءة الملف؟ هل من الضيق العام الذي يشعر به المواطن المكناسي العادي وما يرقبه في الساحة من تدني الخدمات الأساسية خاصة على مستوى البنيات التحتية الضرورية والشبكة الطرقية وخدمات الكهرباء العمومية والنظافة والخدمات الإدارية وغيرها من مقومات التنمية المحلية؟ أم يمكن قراءة الملف من زاوية الصراع والانقسام بين الفرقاء السياسيين المشكلين للأغلبية داخل مجلس الجماعة مكناس.

كلنا متفقون على أن بناء الأغلبية منذ البداية كان عشوائيا وعبثيا فرضته الحسابات الضيقة بدليل أن من كان يطمح لكرسي الرئاسة لم يكن يبحث سوى عن تأمين النصاب الكافي لا غير، حتى ولو كان ذلك على حساب مصلحة المدينة ومستقبلها، ليدرك الطامحون الى التسيير في الأخير أنهم وقعوا في ورطة عندما راهنوا على أدوات تنقصها التجرية خصوصا أن تدبير الشأن المحلي ليس بالأمر الهين ويحتاج لسياسيين متمرسين عارفين بخبايا الأمور. لتكون نتيجة العملية القيصرية ولادة أغلبية هجينة تحكمها من جهة الحسابات الضيقة ومن جهة أخرى الرغبة الجامحة في التسيير والظفر بعائداته.

وهنا لن نتحدث عن الأحزاب التي اختارت منذ البداية الإصطفاف في المعارضة أو حتى الأحزاب الصغيرة التي ابتلانا بها نمط الإقتراع الجديد، ولكن عن حزبين اثنين، الأول المتعطش لتدبير الشأن المحلي بعد غياب لولاية كاملة،  والثاني راكم تجرية وخبرة في التدبير الترابي مع العلم أن ما يفرق هذين الحزبين أكثر مما يجمعهما. 

والحديث هنا عن حزبي الاتحاد الدستوري والاستقلال على اعتبار أن الأول يعتمد في دوافعه عن مبررات موضوعية نابعة من معرفته المسبقة بكل ملفات الجماعة ووعيه بصعوبة المرحلة التي تحتاج الى رئيس يحسن الانصات ويتحلى بالشجاعة الكافية لرفع كل التحديات والمعيقات، والثاني لم يحصل بعد على التأشيرة الكفاءة السياسية ليدبر شؤون نفسه بنفسه داخل المجلس وهو ما يصعب مؤمورية كل مبادرة في لم شمل الأغلبية، ناهيك عن موضوع الشخصنة الذي أصبح يطغى في كل الجلسات المغلقة. 

لقد أصبح مصير مكناس اليوم مرهونا بين يدي ثلة من السياسيين الهواة تحركهم أيادي خفية تريد أن تجر المدينة نحو الهاوية، فبعد مقاطعة المستشارين لدورات المجلس لدفع الرئيس لاتخاذ قرار هو نفسه لا يملكه “الإستقالة”، يكون المجلس أمام خيارين إما انتظار اكتمال الثلاث سنوات عندها “يموت لي يموت ويعيش لي يعيش” أو الرضوخ للأمر الواقع والإشتغال مع الرئيس الحالي والعودة الى نقطة الصفر.

هنا ومن باب المسؤولية لابد أن يعرف المكناسيين الخلفيات الحقيقة وراء مقاطعة ثلثي أعضاء المجلس لأشغال الدورات وهي مناسبة نعرج من خلالها على جدول أعمال دورة أكتوبر التي تضم 18 نقط أقل ما يمكن القول عنها أنها بئيسة ولا تستجيب لطموحات الساكنة، ليكون بذلك الرئيس قد حقق جزء من وعود حزبه الإنتخابية التي كان شعارها “تستاهلوا أحسن”. نعم أيها الرئيس لقد وعدت ووفيت عندما أدخلت المدينة في مستنقع العبث والعشوائية، وأقحمت مكناس في صراعات حزبية لا معنى لها. إن من يتحمل مسؤولية هذا البلوكاج اليوم ليس الرئيس وحده، بل حتى حزبه التجمع الوطني للأحرار.

ضياع البوصلة هو أقرب ما يمكن توصيفه في هذا المشهد المرتبك، مرت سنة على انتخابات الثامن من شتنبر ولا شيء تغير، وعملية الاسترضاء وتعويم سفينة المجلس بالحلول المؤقتة والترقيعية اليوم لم ولن ينتج مجلسا متماسكاً، والنتيجة تعطيل سلسلة التنمية وطغيان المصالح الضيقة على الصالح العام وكل هذا لا يزيد المواطن المكناسي إلا تململاً وفقداناً للثقة.

سأكون إيجابياً ولن أجزم بإمكانية تصحيح الوضع بل أقول إن هناك خطوات أساسية يتوجب التفكير فيها بشكل جدي. أولاً ما يطرح على الساحة السياسية اليوم من “تفكك” لا يقتصر على الهيئات بل القضية متعلقة بقناعات أشخاص في أن منصب رئاسة جماعة مكناس أكبر من شخص الرئيس نفسه، ثانيا انخفاظ منسوب الثقة بين هذا الأخير وباقي أعضاء المجلس بما فيهم المكتب المسير وطغيان الشخصنة عاملان يجب تجاوزهما. والطرحان الأول والثاني لا يخدمان مصلحة المدينة ولا ساكنتها. فهل يبقى مصير المكناسيين مرهونا بين العناد ولوي الذراع وتضارب المصالح؟ والى متى يظل هذا الوضع المرتبك قائما يعيق حركة التنمية؟ الى متى سينتظر المواطن المكناسي الفرج ويلتف الى احتياجاته الضرورية.