المناظرة التي ابتلعت نصف مليار سنتيم.. وخلّفت وراءها الغموض والشكوك

رغم مرور أسابيع على تنظيم “المناظرة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني”، لا تزال الصفقات المرتبطة بها تُثير الكثير من التساؤلات والاستياء في أوساط الرأي العام، خاصة بعد الكشف عن أرقام صادمة تتعلّق بالكلفة المالية للحدث، والتي بلغت نصف مليار سنتيم، دون أن يُقابلها أي أثر ملموس أو مخرجات حقيقية تعود بالنفع على المواطنين أو الفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي.
المناظرة التي أُشرفت على تنظيمها كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، والتي يتولى حقيبتها الوزير الشاب لحسن السعدي، تحوّلت من مناسبة وطنية للحوار الجاد حول مستقبل قطاع استراتيجي، إلى “كرنفال مكلف” طبعه الغموض في تدبير الصفقات، وتوزيع غريب للمال العام على شركات “محظوظة”.
فقد كشفت مصادر متعددة أن مكتب التنمية والتعاون، التابع للوزارة، أبرم سلسلة من الصفقات ذات الطابع اللوجستيكي والشكلي مع شركات دون الإعلان عن نتائجها بشكل شفاف في الموقع الرسمي، ما يُعدّ خرقًا صريحًا لقواعد الحكامة والحق في المعلومة. والمثير للجدل أكثر أن إحدى الشركات التي حازت صفقة التنظيم الرئيسية سبق لها أن نظّمت نشاطًا لحزب التجمع الوطني للأحرار في أكادير، ما أثار تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية المعايير وشفافية الاختيار، خاصة في ظل غياب أي توضيحات رسمية من طرف الوزارة.
التفاصيل التي جرى تسريبها بخصوص تكاليف المناظرة تبدو أقرب إلى لائحة نفقات “حفل فاخر” منها إلى مشروع وطني. فقد خُصّصت 109 ملايين سنتيم لشركة استقبال الضيوف، و100 مليون سنتيم لشركة الإقامة الفندقية، و47 مليون سنتيم لمعدات السمعي البصري، و48 مليون سنتيم للطباعة واللوحات، و33 مليون سنتيم للهدايا، و22 مليون سنتيم لكراء معدات القاعة، فضلاً عن مصاريف إضافية تتعلق بالتنقل، التغذية، وشراء هواتف.
كل هذه المبالغ صُرفت على حدث لم يُقدّم إلى اليوم تقريرًا تفصيليًا واحدًا عن خلاصاته أو توصياته، ما يجعل التساؤل عن أثره الحقيقي أو ضرورته أصلاً سؤالاً مشروعًا.
لا تُشكّل هذه الواقعة مجرد حدث معزول، بل تضع منظومة الصفقات العمومية وطرق تدبير المال العام في قلب المساءلة. فهل يُعقل أن يُصرف هذا المبلغ الضخم دون وجود ضوابط صارمة للشفافية أو رقابة مسبقة من مؤسسات الحكامة؟ وأين هي الوزارة من حق المواطنين في الاطلاع على الكلفة والأهداف والنتائج؟ إن استسهال صرف المال العام تحت يافطة التظاهرات الرسمية دون محاسبة أو تتبع حقيقي يُرسّخ ثقافة “الحدث لأجل الواجهة”، لا من أجل المضمون.
القضية المطروحة اليوم لا تتعلّق فقط باسم وزير أو شركة محظوظة، بل تمسّ جوهر العلاقة بين المال العام والثقة العامة. فحين تتحول مناظرات يفترض أن تكون فضاءً للنقاش الجاد والإنتاج الفكري إلى مناسبة للإنفاق المفرط في المظاهر، دون مردودية تُذكر، فهنا نصل إلى منطقة الخطر في تدبير الشأن العام. وإذا لم يكن هناك توضيح رسمي، ومحاسبة دقيقة، ومصارحة للرأي العام، فسنظل نكرر العبارة المُرّة وهي أن المناظرة انتهت، لكن الفاتورة مفتوحة.