مكناس تنتظر الإعلان عن النسخة العاشرة من مهرجان الفنون التراثية.. فأين وزارة الثقافة من دعم الموروث اللامادي؟

بين صمت رسمي غير مبرر وانتظارات متصاعدة من الفاعلين المحليين، ما تزال مدينة مكناس تترقّب الإعلان عن النسخة العاشرة من المهرجان الوطني للفنون التراثية، الذي دأبت جمعية “مغرب التراث” على تنظيمه بشكل منتظم في نهاية شهر يونيو وبداية يوليوز من كل سنة، ليصبح بذلك أحد أبرز مواعيد العاصمة الإسماعيلية الثقافية والفنية.
بلوغ هذا المهرجان عتبته العاشرة، في حد ذاته، محطة مفصلية تستوجب وقفة تقدير ودعم مؤسساتي حقيقي، لا سيما من وزارة الثقافة والشركاء العموميين، لما يحمله من رمزية ثقافية واجتماعية تستحق أن تُدرج في صلب استراتيجية الدولة في الحفاظ على التراث اللامادي. لكن المفارقة أن النسخة العاشرة المنتظرة لم يُعلن عنها بعد، ما يطرح علامات استفهام حول مدى اهتمام الجهات الوصية بتثمين هذا النوع من المواعيد الثقافية الجادة.
لقد راكم هذا المهرجان، طيلة دوراته السابقة، تجربة فريدة في تثمين الفنون الشعبية المغربية الأصيلة، من أحواش وأحيدوس إلى عبيدات الرمى وكناوة وعيساوة، جامعا فرقًا فنية من مختلف جهات المملكة في عروض حيّة أعادت إلى الواجهة ألوانًا من الموروث الثقافي الذي ظل مهمّشًا لسنوات. ومع ذلك، ظل هذا المهرجان يشتغل بإمكانات محدودة وبجهود ذاتية من جمعية مدنية، في وقت تُموّل فيه تظاهرات أقل شأنًا وأكثر تفاهة بميزانيات ضخمة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة وهو لماذا تتجاهل وزارة الثقافة مثل هذه المبادرات المواطِنة؟ وهل أصبحت المهرجانات التي تحتفي بالتراث الحقيقي خارج أجندة الدعم العمومي، بينما تُغدق الملايين على مهرجانات “الصخب” و”الفرجة السطحية”؟
لا شك أن مهرجان الفنون التراثية بمكناس يستحق التفاتة رسمية جادة، تليق بما يقدمه من خدمة ثقافية عميقة، سواء على مستوى إعادة الاعتبار للفنانين الشعبيين، أو على صعيد تنشيط السياحة الثقافية، أو حتى على مستوى ترسيخ هوية المدينة كمركز للإشعاع التراثي المغربي.
أكثر من ذلك، فإن الإعلان عن النسخة العاشرة في حد ذاته بات مطلبًا ملحًا، ليس فقط لإعطاء نفس جديد لهذا الحدث، بل لتأكيد استمراريته ومكانته في الخريطة الثقافية الوطنية. فعدم الإعلان إلى حدود اليوم عن نسخة هذه السنة، في وقت باتت فيه الساكنة والمتابعون المحليون يتطلعون إلى البرنامج والفقرات، يُعد مؤشرا على غياب التقدير الرسمي للمجهود المبذول طيلة تسع دورات متتالية.
إن دعم مهرجان من هذا النوع ليس “منّة” من أحد، بل هو واجب ثقافي تنموي. ذلك أن الحفاظ على التراث اللامادي لا يمر فقط عبر التصريحات أو خطابات النوايا، بل عبر دعم التظاهرات التي تسهر ميدانيًا على صيانته ونقله، وجعلها في صلب السياسات العمومية، بدل تهميشها في زوايا المبادرات التطوعية.
مكناس، بهذا المهرجان، لا تطلب إلا ما تستحق: أن يُنصفها الوطن كما أنصفت هي تراثه، وأن تُقدّر جهود مناضلي الثقافة كما يُمكَّن الآخرون من مهرجانات الترفيه والتسويق السطحي. فهل تتحرك وزارة الثقافة في الوقت المناسب؟ أم سيظل مهرجان الفنون التراثية ينتظر دوره في الهامش؟