بعد غضب لفتيت.. وزارة الداخلية تتدخل لتصحيح فشل وزارة الفلاحة في تدبير ملف الماشية

في مشهد غير معتاد داخل أروقة السلطة، تفجّر نقاش حاد بين وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ووزير الفلاحة والصيد البحري أحمد البواري، خلال اجتماع رسمي احتضنته وزارة الداخلية مؤخرًا، حيث كشفت مصادر مطلعة عن غضب شديد عبّر عنه لفتيت في وجه البواري، على خلفية ما اعتبره تقاعسًا غير مبرر من قطاع الفلاحة في التعامل مع أحد الملفات الحيوية: إحصاء القطيع الوطني.
الاجتماع، الذي كان من المفترض أن يرسم ملامح التنسيق المؤسساتي بين وزارتي الداخلية والفلاحة استعدادًا للمرحلة المقبلة، تحوّل إلى لحظة مساءلة قاسية، بعد أن تبين لوزير الداخلية أن وزارة الفلاحة لا تتوفر على أرقام دقيقة حول عدد رؤوس الماشية، ولا على استراتيجية واضحة لاعتماد نظام محكم للإحصاء والتتبع، سواء من طرف الوزير الحالي أو سلفه محمد صديقي.
غياب المعطيات الواقعية حول وضعية القطيع الوطني، خاصة بعد سنوات من الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، أثار حفيظة الداخلية التي قررت التحرك الفوري، عبر سحب مهمة الإحصاء من يد وزارة الفلاحة، وتكليف العمال والولاة والمصالح الترابية بتنسيق مباشر مع السلطات المحلية بتنفيذ عملية شاملة وميدانية، تشمل إحصاء رؤوس الأغنام والماعز في مختلف جهات المملكة.
هذه الخطوة الحاسمة تأتي في سياق حساس، حيث لم يعد يُنظر إلى القطاع الفلاحي من زاوية الدعم الموسمي فقط، بل أضحى عنصراً حيوياً في معادلة الأمن الغذائي والاجتماعي. فإعادة تركيب القطيع الوطني لم تعد ترفًا، بل أولوية ترتبط بالاستقرار القروي، وديمومة الأسواق، وقدرة البلاد على توفير اللحوم بأسعار معقولة.
ويُشار في هذا السياق إلى أن النداء الملكي الحكيم بتأجيل ذبح الأضاحي هذا الموسم، لقي ترحيبًا واسعًا في أوساط الفلاحين والمستهلكين على السواء، واعتُبر لحظة مفصلية لإعادة ترتيب أوراق قطاع تضرر بشدة في السنوات الأخيرة، بفعل التغيرات المناخية وسوء التدبير القطاعي.
كما يرى مراقبون أن انتفاضة وزارة الداخلية تكشف عن خلل عميق في التنسيق القطاعي بين الوزارات المعنية، وتطرح أسئلة ملحة حول جدوى بعض البرامج المعلنة، إذا لم تكن مدعومة ببيانات دقيقة وإرادة حقيقية للتنزيل الميداني.
في المقابل، تفتح هذه الخطوة المجال لإرساء مقاربة جديدة في التعاطي مع ملف الماشية، تتجاوز منطق “الأرقام الورقية” نحو إحصاء رقمي ميداني يتيح اتخاذ قرارات مدروسة، مبنية على معطيات حقيقية، بدل التقديرات الضبابية التي ظلت تطبع القطاع الحيواني بالمغرب لسنوات.
وبينما تتحرك وزارة الداخلية لتصحيح الوضع، تتجه الأنظار إلى مدى تجاوب وزارة الفلاحة مع الرسالة الضمنية لهذا القرار، وهل ستفتح هذه الواقعة الباب أمام مراجعة شاملة لطرق إدارة قطاعات حيوية، كانت حتى الأمس القريب تُدار بمنطق التجزيء والارتجال.