هل البرلمان للتشريع أم للعبور الانتخابي؟ ظاهرة “النواب السلايتية” تطيح بمصداقية المؤسسة التشريعية

المستقل | فؤاد السعدي

في مشهد تكرّر كثيرًا وأصبح عنوانًا صارخًا لغياب الجدية داخل المؤسسة التشريعية، أخفق مجلس النواب مجددًا في محاربة ما بات يُعرف بظاهرة “البرلمانيين السلايتية”، بعد أن شهدت إحدى الجلسات الأخيرة هروبًا جماعيًا للنواب نحو الفنادق بعد أقل من ساعة على انطلاقها، ما أثار موجة استياء جديدة بشأن ضعف الحضور والتفاعل البرلمانيين.

وخلال الجلسة التي عُقدت مساء الاثنين، لم تدم محاولة الانضباط طويلًا، إذ بدأت القاعة في التفريغ تدريجيًا، وسط ارتباك تنظيمي واضح، ولامبالاة تامة من طرف عدد من النواب، ما يُعيد إلى الواجهة السؤال حول جدوى آلية تسجيل الحضور، ومدى التزام ممثلي الأمة بمهامهم الدستورية.

المثير في هذه الجلسة، أن أحد البرلمانيين، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، احتج بصوت مرتفع لأن اسمه المعروض على شاشة البرلمان كان غير صحيح. ولما استفسره رئيس الجلسة عمّا إذا كان قد مرر بطاقته البرلمانية عبر آلة تسجيل الحضور، أجاب بكل بساطة بأنه لا يتوفر على البطاقة من الأصل، وهو اعتراف يعكس بوضوح مدى التراخي في التعاطي مع قواعد العمل المؤسساتي.

وتناقل الحاضرون أن هذا البرلماني قد يكون من بين أولئك الذين لم تطأ أقدامهم قاعة الجلسات منذ مدة طويلة، ولم يتذكّروا الحضور إلا مع اقتراب موعد الانتخابات، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام التساؤل حول منطق “الاستحقاق التمثيلي” في العمل البرلماني، وهل تحوّلت قبة البرلمان إلى محطة عبور انتخابي فقط، بلا حس تشريعي أو رقابي.

ورغم محاولات مكتب مجلس النواب اعتماد أدوات تقنية لرصد الحضور، وربط ذلك بالمنحة البرلمانية، إلا أن التجربة أثبتت محدودية فاعليتها، أمام تواطؤ الصمت، وضعف إرادة الإصلاح الداخلي، وغياب المحاسبة السياسية.

ظاهرة الغياب المتكرر للنواب، والتي وُصفت سابقًا بـ”الاستهتار بمهمة تمثيل المواطنين”، لم تعد تُغضب فقط الرأي العام، بل باتت تُهدد فعليًا صورة المؤسسة التشريعية، وتفقدها ما تبقى من مصداقية، في وقت يشتد فيه الطلب المجتمعي على شفافية الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وإذا كانت القوانين الداخلية للمجلس تمنح هامشًا لضبط الغياب، فإن الإشكال الحقيقي يبقى في غياب الصرامة السياسية، واستمرار التساهل مع غياب لا يُمكن تبريره، خصوصًا حينما يتحول إلى سلوك دائم ينسف فلسفة التمثيل الديمقراطي.

البرلمان، وهو ركيزة العمل الديمقراطي، لم يُخلق ليُختزل في صفقات انتخابية عابرة، بل كمؤسسة لمساءلة السلطة التنفيذية، وصناعة القوانين التي تحكم الحياة العامة. وحين يتحوّل حضوره إلى استثناء، فإن ما يُطرح على المحك ليس فقط سلوك أفراد، بل مصير مؤسسة بكاملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *