فؤاد السعدي يكتب: المهدي بنسعيد.. وزير الثقافة أم وزير “الصخب والمهرجانات”؟

في الوقت الذي تنتظر فيه الساحة الثقافية المغربية إصلاحات هيكلية، ودعماً حقيقياً للبنيات التحتية والمؤسسات الثقافية المحلية، خرجت وزارة الشباب والثقافة والتواصل بإعلان صفقة جديدة لتشييد منصة موسيقية مؤقتة، ستُخصص للدورة الرابعة من مهرجان “رابافريكا” المرتقب تنظيمه في غشت المقبل بالرباط، بكلفة تقديرية تجاوزت 13 مليون درهم.
الرقم قد يبدو عادياً في ظل ما اعتادت عليه المهرجانات الكبرى، لولا أنه يأتي وسط أسئلة حارقة حول اختيارات الوزير المهدي بنسعيد، الذي يبدو، من خلال قراراته المتتالية، وكأنه اختزل مفهوم الثقافة في الرقص والإضاءة ومكبرات الصوت، دون أي رؤية متماسكة للنهوض بالمشهد الثقافي المغربي بمعناه الأوسع والأعمق.
وزارة الثقافة، كما هو متعارف عليه في الدول التي تعطي للمجال وزنه، تُعنى أساسًا بإرساء دعائم السياسات الثقافية، من دعم الفنون التشكيلية والمسرح والسينما، إلى تعزيز حضور الكتاب، والمكتبات العمومية، ومراكز البحث والإبداع. لكنها، في عهد بنسعيد، تحوّلت تدريجيًا إلى منصة أخرى من منصات “الصخب الرسمي”، وكأننا أمام وزارة تنظيم الحفلات لا وزارة ثقافة.
الأدهى أن هذه الصفقة تأتي في سياق يشهد فيه المغرب ندرة حقيقية في الفضاءات الثقافية القارة، وتراجعًا في دعم الفرق المسرحية، وإغلاق العديد من المكتبات العمومية بسبب ضعف الميزانيات، بينما تُصرف المليارات على منصات مؤقتة تدوم 10 أيام، وتُفكك بعد انتهاء آخر إيقاع موسيقي.
صحيح أن الانفتاح على الفنون الشبابية والموسيقى الحضرية مهم، ولا يمكن إنكاره في زمن التحولات الرقمية، لكن حين تصبح المهرجانات المؤقتة هي العنوان الوحيد لسياسة وزارة، فلا بد من دق ناقوس الخطر. لأن المغرب ليس فقط “راب” و”صخب”، بل هو أيضًا فكر وأدب وتاريخ وموروث حضاري يحتاج من يرعاه لا من يُهمّشه.
المفارقة أن هذا التوجه يتزامن مع جدل واسع حول ضعف أداء الوزارة في ملفات استراتيجية أخرى، كأزمة الصحافة، غياب تصور حقيقي لحماية الذاكرة الوطنية، وتراجع مكانة المغرب على المستوى الثقافي الإقليمي، رغم الإمكانات المتوفرة.
فهل نعيش فعلاً مرحلة تفريغ الثقافة من مضمونها، وتحويل الوزارة إلى مكتب إنتاج للمهرجانات؟ أم أن هناك حاجة ملحة لإعادة ضبط البوصلة، والعودة إلى المعنى الحقيقي للثقافة كرافعة للتنمية، ومجال حيوي يعكس هوية الأمة وذاكرتها الجماعية؟
الوزير، الذي لا يفوّت فرصة للحديث عن “إشعاع المغرب”، مطالب اليوم بالخروج من منطق الصورة السطحية نحو بناء مضمون ثقافي متين. أما إذا استمر الحال على ما هو عليه، فسنكون أمام وزارة تُنتج المهرجانات الموسمية، وتُقصي المثقف الجاد، وتستبدل الفكر بـ”الفرجة”، والعمق بالسطحية.
