تراجع مفاجئ لنقابة الصحافة عن استضافة ندوة حول الفساد يثير الغضب في الأوساط الحقوقية

في خطوة أثارت استغرابًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والمدنية، تم الإعلان عن تغيير موقع ندوة صحفية كانت مقررة بمقر النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وذلك في ظرف أقل من 48 ساعة عن موعدها الرسمي، بعد تراجع غير متوقع من إدارة النقابة عن موافقتها السابقة على احتضان النشاط.

الندوة المعنية، التي كانت مخصصة لتقديم مذكرة ترافعية أعدتها مبادرة مدنية تضم أكثر من عشرين هيئة وجمعية ناشطة في مجال محاربة الفساد والدفاع عن المال العام، كانت ستمثل مناسبة لتقديم وجهة نظر المجتمع المدني بشأن التعديلات المرتقبة على قانون المسطرة الجنائية، خاصة في شقها المتعلق بتقييد حق الجمعيات في التبليغ عن الجرائم المالية والإثراء غير المشروع.

ووفق ما أُعلن عنه في بلاغ رسمي للمبادرة، فإن قرار النقابة برفض استضافة الندوة جاء بعد موافقة أولية ومعلنة، تم على أساسها توجيه الدعوات لوسائل الإعلام والإعلان عن مكان عقد النشاط، مما تسبب في ارتباك تنظيمي واضح، ودفع المنظمين إلى نقل الموعد إلى مقر جمعية أخرى.

القرار، الذي لم تُرفق به أي توضيحات علنية أو تفسير رسمي من طرف النقابة، وُضع تحت مجهر النقد الحقوقي، بالنظر إلى التوقيت الحساس الذي جاء فيه، والسياق المرتبط بنقاش مجتمعي واسع حول دور الجمعيات في مكافحة الفساد، وهو ما اعتُبر تراجعًا عن التزامات مبدئية طالما رفعتها النقابة في أدبياتها وشعاراتها المرتبطة بحرية التعبير والانتصار لقضايا الشأن العام.

كما أن طبيعة المبادرة، التي تضم مكونات متنوعة من الجمعيات الحقوقية والنقابية والمدنية، تُخرج الموضوع من دائرة النشاط الفئوي الضيق إلى مستوى أعلى من النقاش العمومي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مزيد من الانفتاح على آراء الفاعلين المستقلين وتوسيع قاعدة المشاركة في تقييم السياسات العمومية.

ويرى متابعون أن مثل هذه الخطوة تطرح تساؤلات مقلقة حول طبيعة العلاقة بين الفضاءات النقابية والمجتمع المدني، ومدى قدرة هذه الهيئات على الحفاظ على استقلالها واستيعاب تعددية المبادرات ذات الطابع الديمقراطي، دون أن تخضع حساباتها لأي ضغط غير معلن.

في المقابل، لا يُمكن فصل ما وقع عن المناخ العام الذي يرافق النقاش حول التعديلات المقترحة على قانون المسطرة الجنائية، والذي أثار منذ أسابيع مواقف متباينة، خاصة في ما يتعلق بدور الجمعيات في التبليغ عن الفساد، حيث عبرت العديد من المنظمات عن رفضها لما تعتبره مسًا بجوهر الشفافية وتضييقًا على آليات الرقابة المجتمعية.

رغم كل ذلك، قررت المبادرة المدنية المضي قدمًا في برنامجها، حيث تم تأكيد موعد الندوة في مقر جديد بالعاصمة، مع الإبقاء على التحركات الترافعية المعلنة، ومنها تنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان، في محاولة لدق ناقوس الخطر حول مآلات المشروع، والمطالبة بإشراك فعلي للمجتمع المدني في هندسة القوانين ذات الصلة بالمساءلة والنزاهة.

في نهاية المطاف، يعيد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالًا أعمق: هل يمكن للنقابات المهنية أن تكون فاعلًا في النقاش الديمقراطي الوطني إذا تخلت عن حيادها المفترض، أو ترددت في الانفتاح على المبادرات المستقلة؟ وهل لا تزال قادرة على تمثيل روح الدفاع عن حرية الرأي، حين تُغلق أبوابها أمام رأي مدني مُخالف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *