انتحار طبيبة بطنجة يفتح ملف “الصمت الطبي”.. حين يتحول التكوين إلى ضغط قاتل

المستقل | فؤاد السعدي
أثار خبر انتحار طبيبة مقيمة شابة كانت تزاول مهامها بمصلحة طب الأطفال في المركز الاستشفائي الجامعي بطنجة صدمة في الأوساط الطبية، وسط تساؤلات حادة حول الأسباب غير المعلنة التي دفعتها إلى اتخاذ هذا القرار المأساوي، وهي التي كانت على وشك إنهاء سنتها الخامسة من التخصص في طب الأطفال.
الطبيبة، التي يُجمع زملاؤها على وصفها بالكفاءة والانضباط، لم تكن تعاني من مشاكل نفسية معروفة، ما زاد من غموض الواقعة، ودفع العديد من الأطباء المقيمين إلى ربط ما حدث بظروف العمل داخل المصلحة التي كانت تشتغل بها، حيث أشار عدد منهم إلى بيئة مهنية موصوفة بـ”الضاغطة” و”غير الصحية نفسيًا”، تتسم بكثافة العمل، قلة فترات الراحة، وأسلوب إشراف صارم يفتقر في بعض الأحيان إلى الحد الأدنى من الدعم التربوي والنفسي.
مصادر مطلعة من داخل المركز أكدت أن الطبيبة دخلت، خلال الأشهر الأخيرة، في حالة من التراجع النفسي الحاد، مرجّحة أن تكون الأسباب مرتبطة بسوء المعاملة التي يتعرض لها بعض الأطباء المقيمين من طرف أطُر إشرافية في المصلحة المذكورة. كما أشارت المصادر ذاتها إلى أن سلوك بعض الأساتذة تجاه الأطباء الشباب يتّسم أحيانًا بالتسلّط، والضغط الممنهج، وسط غياب آليات فعلية للرقابة الإدارية أو الدعم النفسي داخل المؤسسة.
ورغم مجهودات إدارة المستشفى الجامعي التي تُثني عليها شريحة واسعة من المهنيين، وتوصَف بأنها تُبادر بشكل واضح في تنظيم العمل وتطوير البنية التحتية، إلا أن بعض المصالح، ومن ضمنها مصلحة طب الأطفال، لا تزال تشتغل، وفقًا لشهادات متطابقة، بمنطق مستقل عن هذا التوجه، مما يُحدث فجوة واضحة بين الإدارة المركزية وتطبيق المعايير التكوينية والإنسانية داخل بعض التخصصات.
الطبيبة الراحلة لم تكن الحالة الأولى التي تُثير الانتباه داخل المستشفى، فبحسب ما أفاد به بعض الأطباء، فإن التخصصات ذات الضغط العالي، مثل طب النساء والتوليد وطب الأطفال، تعرف حالات متكررة من التوتر والانهيار المهني، وعدم وجود قنوات آمنة للأطباء المقيمين لرفع تظلماتهم أو طلب المساندة.
وبحسب مصادر من زملائها، فإن قلة من الأطباء الجدد يختارون هذا التخصص في طنجة رغم أهميته، وذلك بسبب ما يُعرف في الأوساط الجامعية بـ”صعوبة التكوين فيه وسوء المعاملة داخل مصلحته”، ما يعزز فرضية وجود مشكلة هيكلية داخل القسم، تتطلب تدخلاً مؤسساتيًا عاجلاً.
وتشير بعض التقارير غير الرسمية إلى وجود شبه إجماع بين المقيمين على أن علاقة المشرف بالطبيب الشاب تفتقر في أحيان كثيرة إلى التوازن المهني، حيث تُمنح للأستاذ سلطة تقديرية واسعة قد تؤثر على مستقبل الطبيب، من خلال تقارير التقييم أو التأخير في استكمال سنوات التخصص.
ورغم محاولات الاتصال ببعض الأطر المعنية من داخل كلية الطب ومصلحة الأطفال، فإن أغلبهم امتنع عن الإدلاء بتصريحات، في وقت يفضل فيه المقيمون عدم كشف هوياتهم مخافة تبعات محتملة، مكتفين بالتلميح إلى أن البيئة المهنية كانت ضاغطة بدرجة غير محتملة في حالة الطبيبة المنتحرة.
الحدث يعيد إلى الواجهة إشكالية التكوين الطبي بالمستشفيات الجامعية، وغياب آليات المواكبة النفسية والاجتماعية للأطباء الشباب، في ظل نظام تكوين صارم لا يترك في كثير من الأحيان هامشًا للتظلم، أو للاعتراض، دون خوف من تبعات إدارية.
في ظل هذا الوضع، يطالب عدد من المتابعين بفتح تحقيق مستقل، لا يكتفي بتحديد الأسباب المباشرة للوفاة، بل يُعيد النظر في طريقة تدبير التخصصات الطبية الحساسة، ويعزز الرقابة البيداغوجية داخل المصالح، ويعيد الاعتبار لدور الطالب المقيم كفاعل طبي، وليس فقط كمتلقٍ داخل هرم مغلق.
الطبيبة فيروز لم تكن فقط ضحية لحادث فردي، بل كشفت، برحيلها، عن خلل بنيوي في علاقة الطبيب المقيم بمنظومة التكوين، وعن غياب مؤسف لقنوات الثقة والدعم داخل فضاء يُفترض أنه مخصّص لبناء الكفاءة لا لتقويضها.