طنجة وطريفة على الخط الأخضر.. أول ممر بحري كهربائي بين المغرب وإسبانيا ينطلق في 2027

شهد ميناء طنجة المدينة الإعلان الرسمي عن مشروع بيئي غير مسبوق يربط بين المغرب وإسبانيا، ويُعدّ الأول من نوعه على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط. المشروع، الذي تقوده شركة النقل البحري الإسبانية Baleària بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين وتقنيين من البلدين، يهدف إلى إطلاق أول خط بحري كهربائي بالكامل بين ميناءي طنجة وطريفة، انطلاقًا من سنة 2027.

ويرتكز المشروع على تطوير عبّارتين كهربائيتين 100% خاليتين من الانبعاثات، تُبنى حاليًا في ورشات متخصصة بإسبانيا، مزودة بمحركات كهربائية بقدرة 16 ميغاواط وبطاريات بسعة إجمالية تبلغ 11,500 كيلوواط/ساعة. العبّارتان ستقطعان مسافة 18 ميلًا بحريًا بين الضفتين بسرعة تصل إلى 26 عقدة، دون أي أثر كربوني، مع إمكانية شحنهما بالكامل في أقل من 40 دقيقة داخل الميناء عبر منظومة ذكية ومتطورة.

يتوقع أن يُسهم هذا المشروع في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 44 ألف طن سنويًا، وهو ما يجعل منه نموذجًا عمليًا للنقل البحري الأخضر على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويعكس التزام البلدين بأهداف الحياد الكربوني بحلول سنة 2050.

ولا يقتصر البُعد البيئي للمشروع على الوسائل التكنولوجية الحديثة، بل يمتد إلى تهيئة البنيات التحتية في ميناءي طنجة وطريفة، من خلال تجهيزات كهربائية ضخمة لأنظمة الشحن وتطوير منصة لوجستية مستدامة.

وفي حفل رسمي حضره نحو 200 شخصية من المسؤولين والفاعلين الدوليين، عبّر الجانبان المغربي والإسباني عن طموح مشترك لتحويل مضيق جبل طارق إلى جسر بيئي متقدم، يعكس نموذجًا للتعاون الأخضر بين أوروبا وإفريقيا.

بالنسبة للمغرب، يُعد هذا المشروع خطوة متقدمة في سياق تحول لوجستي بيئي يشمل النقل البري والموانئ البحرية. كما يتماشى مع رؤية المملكة نحو تنويع البنية التحتية ذات الانبعاث الصفري، خصوصًا مع مشاريع الطاقة المتجددة والاستثمار في الاقتصاد الأخضر.

وبالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لميناء طنجة، الذي يُعد من بين الأكبر في حوض المتوسط، فإن المشروع يضع المغرب في موقع ريادي لتقديم حلول لوجستية نظيفة بين القارتين، معزّزًا دوره كمركز عبور دولي يراهن على الابتكار والاستدامة بدلًا من الاكتفاء بالبنية التقليدية.

تمتد خلفية المشروع إلى سنوات من العمل بين القطاعين العام والخاص، ضمن شراكات جمعت Baleària بكبريات الشركات المتخصصة في الطاقة والتصميم البحري مثل Endesa، Incat Crowther وCotenaval. وقد سبق للشركة أن أطلقت أولى سفنها الكهربائية في جزر الباليار عام 2023، لتستكمل اليوم تجربتها في خط طنجة – طريفة، بصيغة معدّلة تقنيًا لتناسب واقع الموانئ المغربية.

وفي كلمته خلال حفل الإطلاق، قال أدولفو أوتور، رئيس شركة Baleària، إن المشروع يمثل “حبلًا أخضرًا يربط بلدين ويصنع مستقبلًا أنظف”، بينما أشار المدير العام جورج باسول إلى أن العبّارات الجديدة ستوفر خدمات متطورة لنقل 804 ركاب و225 مركبة في كل رحلة.

يأتي هذا المشروع في سياق إقليمي حساس، يشهد تنامي الضغوط المناخية على بلدان الجنوب، وارتفاع مطالب أوروبا بالشراكة مع دول الجوار في مشاريع منخفضة الانبعاثات. ومن هذا المنظور، يشكّل المشروع البحري الكهربائي بين طنجة وطريفة بداية مرحلة جديدة من التعاون المغربي الإسباني تتجاوز الاقتصاد لتشمل الاستدامة والتكنولوجيا البيئية.

كما يمكن أن يشكل المشروع مرجعية تشجيعية لباقي دول المتوسط، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتلوث البحري وكثافة العبور عبر الممرات المائية الحيوية.

في انتظار سنة 2027، يبدو أن أول خط بحري كهربائي بين طنجة وطريفة لن يكون مجرد مشروع نقل، بل بداية مسار بيئي طموح يعيد رسم العلاقة بين الضفتين، ويضع المتوسط على مسار أنظف وأكثر استدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *