فؤاد السعدي يكتب: حين تصنع الدولة زيف إعلامها.. ثم تشتكي من التضليل

خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، صرّح وزير الثقافة والشباب والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن المغرب يتعرض لحملات إعلامية ممنهجة تستهدف صورته ومصالحه الحيوية. وأوضح أن هذه الحملات تُنفّذ من خارج البلاد، عبر منصات رقمية ووسائل إعلام معادية، مؤكداً أن وزارته تعمل ضمن “خطة وطنية” تروم تعقّب الأخبار الزائفة والتصدي للتضليل الرقمي، مع التركيز على تعزيز اليقظة الإعلامية والتواصل المؤسساتي.

لكن ما لم يُطرَح داخل قبة البرلمان، هو السؤال الجوهري، كيف تحارب الدولة الأخبار الزائفة بمنظومة إعلامية هشّة؟ أو بشكل أدق، هل يدرك الوزير أن التهديد الحقيقي لصورة المغرب الإعلامية لا يأتي فقط من الخارج، بل يتغذى أساسًا من الداخل، من خلال سياسات أضعفت الإعلام الوطني وأفرغته من استقلاليته ومصداقيته؟

من الصعب التعامل مع هذا الخطاب الرسمي بجدية، في الوقت الذي كانت فيه وزارة التواصل مسؤولة عن فراغ مؤسساتي عطّل إحدى الركائز الأساسية لتنظيم المشهد الصحفي، ألا وهو المجلس الوطني للصحافة الذي تم تمديد ولايته بقانون مؤقت، وأثار سخط المهنيين، وجرّد الجسم الصحفي من مؤسسة كان يُعوَّل عليها لضمان الحد الأدنى من الشفافية والتقنين والاستقلال.

تفاقمت الأزمة أكثر مع الإشراف المباشر للوزير على إعادة هيكلة نظام الدعم العمومي للصحافة، والذي تحوّل إلى آلية انتقائية وعقابية، وُجّهت أساسًا نحو مقاولات إعلامية هامشية، بعضها متوقف عن النشر أو لا تأثير له، فيما تم إقصاء منصات مهنية مؤثرة، داخل المغرب وخارجه. والنتيجة تمويل الرداءة بدل الكفاءة، وتثبيت منطق التحكم بدل تشجيع الاستقلالية.

اليوم، يتحدث الوزير عن محاربة الأخبار الزائفة، لكن بأي أدوات؟ هل بمنظومة إعلامية محلية لا تحظى بثقة الجمهور؟ هل بمنصات رقمية حكومية تُدار بلغة تقليدية تُشبه نشرات التسعينيات؟ أم بإعلام ممول ليكون مجرد صدى للبلاغات الرسمية، لا صوتًا حقيقيًا للمجتمع؟

الخطاب الذي يتحدث عن “رصد المزاعم المغلوطة” و”التعاون مع الإعلام الدولي” يبدو عقلانيًا في ظاهره، لكنه متناقض في جوهره، حين تصدر هذه العبارات من جهة لا تُؤمن أصلًا بدعم إعلام وطني مستقل، بل تضع شروطًا سياسية لأي دعم، وتجعل المهنة رهينة الولاء لا الأداء.

الرهان على “بوابة الصحراء المغربية” والمنصات الرسمية لا يمكن أن يُعوَّل عليه لوحده في معركة رقمية مفتوحة تُدار عبر السرعة، والتفاعل، والجرأة، واللغات المتعددة، على اعتبار أن المعركة اليوم تُخاض عبر شبكات التأثير، وليس عبر نشر بيانات باردة لا يقرأها إلا من كتبها.

ما لا يريد الوزير الاعتراف به هو أن الإشكال لا يكمن في الأخبار الزائفة فحسب، بل في الإعلام الزائف الذي يُفترض أن يتصدى لها. إذ لا يمكن خوض معركة مصيرية ضد التضليل بالصوت الضعيف، وبالكلمة المُوجَّهة، وبوسائل لا تحظى بالثقة حتى داخل الوطن.

المغرب لا يحتاج فقط إلى خطة يقظة إعلامية، “أسي المهدي” بل إلى إعادة بناء الثقة في إعلامه أولا، وإلى تحرير المهنة من الوصاية ثانيا، ثم إلى دعم المقاولات الجادة التي تمتلك الجرأة والاحتراف، والتي يمكنها أن تحاور الخارج من موقع قوة، لا من موقع التبعية.

وقبل أن نطلب من المنصات الأجنبية احترام صورة المغرب، “أسي المهدي” علينا أولًا أن نصون تلك الصورة بأنفسنا، ونُعيد لها احترامها واعتبارها في أعين المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *