قرار تعريب لوحات السيارات يُكلف المغاربة غرامات بأوروبا.. كيف ورّطت حكومة عباس الفاسي السائقين في أزمة دولية؟

بعد أكثر من 15 سنة على إقرار حكومة عباس الفاسي لقرار تعريب لوحات ترقيم العربات، بدأت تظهر بوضوح التبعات الواقعية لهذا التوجه، الذي وُصف حينها بأنه “خطوة سيادية لتعزيز الهوية الوطنية”، قبل أن تكشف السنوات أن القرار افتقر لأي رؤية استراتيجية، خاصة في ما يتعلق بانفتاح المملكة على شركائها الأوروبيين.
القرار الذي أشرف عليه وزير النقل الأسبق، كريم غلاب، في حكومة حزب الاستقلال بين 2007 و2012، والذي ألغى الحروف اللاتينية من لوحات السيارات واستبدلها بأخرى بالحرف العربي، لم يُرفق بأي تصور تشريعي أو تقني لمواكبة المعايير الأوروبية، خصوصًا بالنسبة للمركبات المغربية التي تعبر الحدود بانتظام نحو الضفة الأخرى.
ومع تنامي وتيرة تنقل الشاحنات والحافلات المغربية في اتجاه أوروبا، تزايدت الشكايات والغرامات التي يتعرض لها السائقون في بلدان مثل فرنسا، إسبانيا، ألمانيا والبرتغال، حيث لا تتوافق لوحات الترقيم المغربية مع أنظمة القراءة الإلكترونية للبيانات المعتمدة هناك، بسبب غياب الحرف اللاتيني الضروري للتعريف الرسمي بالمركبات.
مفارقة غريبة زادت من حدة الارتباك، إذ في الوقت الذي تكتب فيه البطاقة الرمادية للمركبة بالحروف اللاتينية (وفقًا لاتفاقيات دولية)، تأتي اللوحة المعدنية الخارجية بلغة لا تُقرأ إلكترونيًا إلا داخل المغرب، ما يضع السائقين في مواجهة مباشرة مع المخالفات والرسوم دون أن تكون لهم مسؤولية مباشرة في ذلك.
ورغم تزايد عدد الشكايات، ظلت الجهات المسؤولة تتفادى فتح نقاش حقيقي حول هذا الإجراء، إلى أن خرجت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) ببلاغ ضمني يُعدّ بمثابة “استنجاد”، دعت فيه المواطنين إلى إضافة الحروف اللاتينية إلى لوحات الترقيم، لتفادي الغرامات خارج البلاد.
ورغم الطابع العملي لهذا البلاغ، إلا أنه لم يكن كافيًا لتبرير سنوات من تجاهل الإشكال، كما لم يُرفق بأي اعتراف رسمي بخطأ القرار السياسي الأصلي، الذي اتخذ دون دراسة الأثر المستقبلي على حركة النقل الدولي، ولا على مصالح الآلاف من المهنيين.
المثير في هذه القصة أن القرار، الذي رُوّج له في بدايته كخطوة “سيادية”، لم يكن مدفوعًا باعتبارات أمنية أو تقنية، بل كان ثمرة توجّه أيديولوجي داخل حزب الاستقلال آنذاك، هدفه إضفاء الطابع العربي الكامل على كل المظاهر الرسمية بالمملكة، حتى ولو تعارض ذلك مع الالتزامات الاقتصادية أو المعايير الدولية التي انخرط فيها المغرب منذ سنوات.
اليوم، وبعد أن باتت العربات المغربية محل ملاحقة في الموانئ والطرقات الأوروبية، تتكشف ملامح “القرار غير المحسوب”، وسط صمت رسمي مطبق، وغياب أي مسار مؤسساتي لتحمّل المسؤولية أو مراجعة جذور الخطأ. وبينما يؤدي المهنيون ثمن الغرامات والتوقيفات، لا يزال الفاعلون السياسيون السابقون في منأى عن المساءلة، وكأن القرار لم يكن أبدًا قرارًا سياسيًا ذا تبعات مباشرة على حياة الناس.
الوضع الحالي يعيد إلى الواجهة سؤالًا كبيرًا وهو إلى متى سيظل المغاربة يؤدون ثمن قرارات أُخذت في لحظة نزعة أيديولوجية ضيقة؟ ومتى ستتم مراجعة السياسات العمومية وفق منطق المصلحة الوطنية، لا بمنطق الهوية المجردة التي تتجاهل حقائق الاقتصاد والتبادل الدولي؟
الوقت قد حان، لا فقط لتصحيح المسار، بل لمأسسة آلية محاسبة حقيقية للقرارات ذات التأثير البعيد، حتى لا يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الخيارات غير المدروسة.