العدالة لغيثة.. مأساة على شاطئ سيدي رحال تهزّ ضمير المغاربة

تحوّلت لحظات لهو بريئة لطفلة صغيرة إلى فاجعة وطنية اهتزّ لها الرأي العام المغربي، بعد حادث مأساوي شهدته رمال شاطئ سيدي رحال يوم السبت 15 يونيو 2025، حين صدمت سيارة رباعية الدفع الطفلة غيثة، البالغة من العمر أربع سنوات ونصف، بينما كانت تلهو في حفرة رملية حفرها لها والدها بحب واطمئنان. لم يكن أحد يتصور أن تلك اللحظات السعيدة ستنقلب فجأة إلى كابوس مفجع، بعدما اندفعت السيارة، التي كانت تجر دراجة مائية من نوع “جيت سكي”، وسط المصطافين، لتصدم غيثة بقوة على مستوى الرأس والفك، وتتركها ممددة بلا حراك، أمام أنظار والدها الذي عاد متأخرًا بثوانٍ من بحثه عن الماء.

تم نقل غيثة على وجه السرعة إلى المستشفى، حيث خضعت لعملية جراحية دقيقة، وهي الآن ترقد في قسم العناية المركزة، بينما يعيش والداها لحظات لا توصف من الألم والقلق. الأب، الذي بدا مكسورًا تحت وطأة الصدمة، صرّح باختناق، “منذ أسبوع وأنا لا أستطيع العودة إلى المنزل، كانت تركض نحوي وتفتح لي الباب وتعانقني كلما عدت”. هذه الكلمات وحدها كافية لتلخّص حجم الجرح الذي لا يندمل، ليس فقط لعائلة غيثة، بل لكل من تابع تفاصيل هذه المأساة.

لكن الحادث لم يتوقف عند حدّ الإصابات الجسدية، فقد زاد من عمقه وألمه ما صدر عن أحد أقارب السائق، الذي زار والد الضحية في المستشفى، وتلفّظ بعبارة أثارت موجة غضب غير مسبوقة: “حنا عندنا الفلوس”. كلمات وُصفت من طرف الأب بـ”طعنة في الكرامة” و”إهانة للعدالة”، وأشعلت نيران الغضب الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى فيها كثيرون دليلاً على عقلية الاستقواء بالنفوذ والمال، وتلميحًا فجًّا إلى إمكانية الإفلات من المحاسبة، حتى في القضايا التي تمسّ حياة الأطفال.

غيثة، التي أصبحت رمزًا للبراءة المنتهَكة، أيقظت في قلوب المغاربة إحساسًا جمعيًا بالخطر والانتهاك، فانطلقت حملة تضامن واسعة رفعت شعار #العدالة_لغيثة، مطالِبة بتحقيق عاجل ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه، ليس فقط في الحادث، بل أيضًا في تقصير واضح من طرف السلطات في تنظيم الفضاءات الشاطئية وحماية المصطافين. آلاف الأصوات عبّرت عن أن ما حدث لا يمكن اختزاله في “حادث عرضي”، بل هو نتيجة مباشرة لفوضى مستشرية، وغياب ضوابط صارمة تمنع استعمال وسائل خطرة في أماكن عامة يرتادها الأطفال والعائلات.

منظمات حقوقية دخلت بدورها على خط القضية، معتبرة أن ما تعرّضت له الطفلة غيثة يمثل انتهاكًا واضحًا للحق في الحياة والسلامة الجسدية. وعبّر إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، عن إدانته الشديدة للتصريحات المنسوبة لأحد أقارب المتسبب في الحادث، مشددًا على أن التفاخر بالمال في سياق فاجعة إنسانية لا يُعد فقط طعنًا في العدالة، بل هو ضرب صريح لمبدأ المساواة أمام القانون، وترويج لثقافة الإفلات من العقاب.

كما نبه السدراوي إلى أن الحادثة تسلط الضوء على اختلالات خطيرة تعرفها الشواطئ المغربية، خاصة مع السماح غير المقنن بدخول سيارات رباعية الدفع واستعمال الدراجات المائية دون رقابة أو تأطير، داعيًا إلى فتح تحقيق قضائي مستقل يضمن المحاسبة العادلة دون اعتبار للمكانة الاجتماعية أو النفوذ، مع مراجعة شاملة للقوانين المنظمة لاستعمال هذه الوسائل الخطرة في الفضاءات العامة. وأكد أن حماية حياة الأطفال لا يمكن أن تخضع لمنطق التساهل، بل تتطلب ضوابط قانونية صارمة تضع كرامة المواطن وسلامته فوق كل اعتبار.

ما وقع لغيثة ليس مجرد حادث مؤلم، بل هو جرس إنذار مدوٍّ يفرض على الدولة والمجتمع أن يعيدا النظر في أولويات السلامة، وأن يتحمّل كل طرف مسؤوليته أمام المآسي التي كان من الممكن تفاديها. غيثة اليوم ترقد على سرير في العناية المركزة، لكن قصتها استيقظت في ضمير وطن بأكمله، ولن تنام ما لم تتحقق العدالة، كاملة، وعلنية، وبلا تأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *