قصر الفنون بطنجة بثلاثة ملايين في اليوم.. هل يحوّل بنسعيد الثقافة إلى “بزنس” رسمي؟

بقلم | فؤاد السعدي
بجرة قلم مشتركة بين وزير الثقافة المهدي بنسعيد ووزير الميزانية فوزي لقجع، تم تحويل قصر الفنون والثقافة بطنجة من فضاء عمومي إلى منشأة فاخرة مخصصة لأصحاب الشيكات السمينة، بعد قرار رسمي برفع تسعيرة الكراء إلى مستويات عبثية لا تمت بأي صلة لواقع الممارسة الثقافية في المدينة.
فمن الآن فصاعدًا، على أي جمعية ثقافية أو فرقة فنية تفكر في تنظيم عرض أو ندوة أن تستعد لدفع 30 ألف درهم للقاعة الكبرى، و7000 للقاعات الصغرى، و5000 لقاعة المؤتمرات، و3000 لقاعة الفنون التشكيلية. فهل نحن بموناكو أم بطنجة؟ وهل هذه وزارة الثقافة أم شركة لتأجير الفضاءات؟
القرار الصادر بالجريدة الرسمية، لا يفاجئ من يعرف طريقة تسيير الوزير بنسعيد. فمنذ أن وطأت قدماه الوزارة، والمشهد الثقافي الوطني يعيش على وقع تجريب مرتجل وتسويق سطحي وتدبير قائم على منطق العلاقات والمظاهر. أما الثقافة، بمفهومها العميق، فهي آخر ما يُؤخذ بعين الاعتبار.
ما وقع بطنجة ليس تسعيرة فقط، بل موقف سياسي وثقافي معادٍ تمامًا للفعل الثقافي المحلي، فطنجة التي أنجبت التجارب الرائدة والمهرجانات المقاومة، وجدت نفسها اليوم أمام وزارة تعتبر الجمعيات مجرد “طُفيليات” مزعجة، والمبدعين عالة على الخزينة، والفضاءات العمومية رصيدا قابلاً للكراء لمن يدفع أكثر.
لنقلها الآن وبصراحة حتى ولو كانت جارحة، قصر الفنون بطنجة سُلم بالكامل لتجار العروض وسماسرة التذاكر، أما الجمعيات المحلية، التي حافظت على نبض الثقافة في زمن الجفاف، فعليها أن تكتفي بالمشاهدة من بعيد، أو أن “تحمد ربها” على أنه سُمح لها بممر خلفي.
أما الوزير “النشيط” في ظهوره على المنصات الاجتماعية، فلم يكلّف نفسه حتى التواصل مع الفاعلين المحليين قبل إصدار هذا القرار الصادم، ولم يفكر لحظة واحدة في من حافظ على الحياة الثقافية بطنجة، لا في القاعات، بل في المقاهي، وفي الدور الصغيرة، وفي الأزقة التي لا تزورها الكاميرات.
والأدهى، أن من يستفيد اليوم من دعم وزارة الثقافة نفسه، هم القادمون من خارج المدينة، في عروض نمطية وسهرات فكاهية تجارية، تُمنح لها الميزانيات، ثم تُعاد ترويجها في قصر الفنون، وكأن طنجة أرض للتسويق لا للإبداع.
ما يحصل اليوم هو إهانة ممنهجة للعمل الثقافي الجاد، إهانة لمن بنى الثقافة بلا مال، بلا منصب، بلا قاعات فارهة. طنجة لم تكن تنتظر من وزير الثقافة أن يمولها، بل أن لا يُغلق أبواب القصر في وجهها.
فليعلم الوزير أن الثقافة لا تُقاس بعائدات القاعات، بل بما تتركه من أثر في وعي الناس، وأن من يضع السعر في وجه المسرح والسينما والموسيقى، لا يقتل الفن فقط، بل يطرد أصحابه من البلد باسم دفتر التحملات.
نقولها وبملئ الفم، إنها ليست وزارة الثقافة، بل وزارة العلاقات العامة والعروض المدفوعة مسبقًا.
وفي انتظار أن يفهم السيد الوزير أن الثقافة ليست حفلة VIP، سنكتفي بالتفرج من خارج القاعة على أمل أن يأتي وزير آخر يعي جيدا معنى الثقافة.