طنجة: “تهيئة” تتحول إلى تشويه.. فضيحة عمرانية بساحة سور المعكازين تفجّر الغضب الشعبي

تحوّل مشروع تهيئة ساحة “سور المعكازين” في مدينة طنجة إلى محور استياء عارم وسط الساكنة المحلية والفاعلين المدنيين، بعد أن تبيّن أن الأشغال المنجزة لا ترقى إلى الحد الأدنى من الجودة أو الجمالية، في فضاء يُفترض أن يكون من بين أكثر المواقع رمزية وتاريخية بالمدينة. فالتوقعات التي صاحبت الإعلان عن المشروع كانت مرتفعة، بالنظر إلى البعد الحضاري والرمزي للمكان، غير أن ما أُنجز على الأرض لم يكن فقط دون التطلعات، بل وصفه عدد من النشطاء والفاعلين الجمعويين بـ”المهين” لهذا المعلم العريق.
صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومعاينات ميدانية قام بها المواطنون، كشفت حجم الرداءة التي طبعت المشروع، بدءًا من اختيار الزليج، الذي وُصف بكونه من نوعية رديئة وغير متناسقة، وبعضه مكسور أو مرصوص بطريقة بدائية لا تعكس أدنى معايير الحرفية المعمارية. هذه المشاهد عززت الانطباع العام بأن المشروع تم إنجازه في غياب تام لأي مراقبة تقنية حقيقية، أو احترام للضوابط الفنية والتصاميم التي تراعي هوية المدينة وجمالياتها البصرية.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل ازداد احتقان الرأي العام المحلي بعد تداول صور تُظهر المدافع الأثرية التاريخية، التي تُعد من أبرز معالم ساحة “سور المعكازين”، وهي مطمورة تحت الإسمنت والأتربة. واعتبرت فعاليات محلية أن هذا السلوك أقرب إلى التخريب منه إلى التهيئة، ويعكس استهتارًا خطيرًا بالتراث الثقافي والرمزي لطنجة.
في خضم هذا الجدل، دخلت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد على خط القضية، عبر بيان استنكاري وصف ما حدث بـ”الفضيحة العمرانية” التي لا تمس فقط جودة الأشغال، بل تضرب في العمق الذاكرة الجماعية للمدينة، وتهدر المال العام في واضحة النهار. المنظمة تساءلت عن الجهة التي منحت صفقة التهيئة، والظروف التي أُبرمت فيها، ومدى احترامها لمبادئ الشفافية والتنافسية، مشيرة إلى غياب تام للوحات التقنية الإلزامية التي تقدم معطيات دقيقة حول المشروع، وهو ما اعتبرته مؤشرًا خطيرًا على إمكانية التلاعب بالصفقة والميزانية، أو تغاضي الجهات الوصية عن دورها في المراقبة الفعلية.
المنظمة الحقوقية طالبت بفتح تحقيق عاجل ومستقل لتحديد المسؤوليات ومحاسبة جميع المتورطين، بدءًا من جماعة طنجة، مرورًا بالشركة المنفذة، وانتهاءً بالجهات الرقابية التي تقاعست عن أداء مهامها. ودعت إلى إعادة تنفيذ الأشغال وفقًا للمعايير التي تليق بالمكانة التاريخية لساحة سور المعكازين، كما طالبت بنشر تفاصيل الصفقة والميزانية للعموم، وتوسيع دائرة الإشراف لتشمل فعاليات المجتمع المدني من أجل ضمان الرقابة المواطنة على الأشغال العمرانية مستقبلاً.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه ردود الفعل، لوحظ صمت مطبق من طرف المنتخبين في الجماعة الترابية والمجلس الجهوي، وهو ما فُسر من طرف فاعلين محليين على أنه تواطؤ ضمني أو عجز فاضح عن مواجهة الفشل التدبيري. هذا الغياب المؤسسي ساهم في تأجيج غضب الساكنة، التي عبرت عن استيائها من خلال موجة انتقادات حادة على منصات التواصل الاجتماعي، وارتفعت أصوات تنادي بتنظيم وقفات احتجاجية رمزية أمام الساحة، للتعبير عن الرفض لهذا “العبث العمراني”.
في المقابل، بدأت بعض الجمعيات المدنية في إعداد ملفات قانونية للترافع حول الموضوع، على أمل ألا يُطوى هذا الملف كما طُويت ملفات أخرى مشابهة، دون محاسبة أو مساءلة. فطنجة، بكل ما تحمله من تاريخ وهوية، تستحق أكثر من مشاريع تفتقد إلى الرؤية، وتنتهي بفضائح عمرانية تُسيء لوجه المدينة وساكنتها.