بين تقييد وهبي وصمت أخنوش.. هل تُجهز الحكومة على دور المجتمع المدني في محاربة الفساد؟

لا يزال الجدل متواصلاً في الأوساط الحقوقية والمدنية والسياسية بشأن ما يُوصف بـ”محاولة تجريد المجتمع المدني من صلاحياته الدستورية في الترافع ضد الفساد”، خاصة بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع قانون المسطرة المدنية، في صيغته الجديدة، دون تضمين آليات واضحة تسمح للجمعيات العاملة في مجال الشفافية ومحاربة الفساد باللجوء إلى القضاء أو رفع الشكايات باسم الصالح العام، ما اعتُبر خطوة تراجعية تضرب في العمق مبدأ الرقابة المجتمعية والمواطنة النشيطة.

القانون الجديد، وفق ما يؤكده عدد من الفاعلين، لا يستحضر الآثار الجانبية التي قد تترتب عن هذا التضييق، سواء على مستوى السمعة الدولية للمغرب في مجال الحكامة، أو على مستوى ترتيبه في التقارير السنوية لمنظمة الشفافية الدولية (Transparency International)، خاصة أن المغرب صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تضع المجتمع المدني ضمن الشركاء الأساسيين في حماية المال العام وتعزيز الشفافية.

ورغم أن تقارير مؤسسات الحكامة الدستورية، كالمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، لطالما دعت إلى تعزيز آليات محاربة الفساد وتوسيع دائرة التتبع والمساءلة، فإن الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، تُتهم بإفراغ هذه التوصيات من محتواها العملي، بل وتُتهم، من طرف جمعيات رقابية، بمحاولة تقليص دور المجتمع المدني بشكل ممنهج، مقابل التساهل مع جمعيات موالية تشتغل في المجال الخيري والاجتماعي لكنها ذات امتدادات حزبية واضحة.

وقد تساءل عدد من المتابعين حول أسباب استمرار تجميد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، التي لم تعقد أي اجتماع منذ تشكيل حكومة أخنوش، رغم أنها كانت تُعد إحدى ركائز الاستراتيجية الوطنية للنزاهة، والتي تنص صراحة على ضرورة إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام والقطاع الخاص في محاربة الفساد.

في هذا السياق، يرى محمد المسكاوي، رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، أن المشروع الحالي المتعلق بقانون المسطرة المدنية، وتحديدًا المادتين 3 و7، يمثلان خرقًا صريحًا للدستور المغربي، الذي يقر بحق الجمعيات في المساهمة في السياسات العمومية، ويمنحها الحق في الترافع والتبليغ. كما اعتبر أن منع المجتمع المدني من تقديم شكايات ذات طابع عام أو الترافع بشأن قضايا الفساد المالي هو ضرب لروح الدستور والاتفاقيات الدولية التي التزم بها المغرب.

المسكاوي اعتبر أن التضييق القانوني الممنهج يتناقض مع الالتزامات السياسية والأخلاقية للمغرب، خصوصًا في ظل رهان تنظيم كأس العالم 2030، حيث ستُضخ استثمارات ضخمة تتطلب شفافية غير قابلة للتفاوض. وأضاف: “من سيُراقب هذه المشاريع؟ الجماعات المحلية؟ المنتخبون فقط؟ بالطبع لا. نحتاج لجمعيات تشتغل بمهنية، وتُحاصر الهدر والتلاعب في الصفقات العمومية الكبرى”.

وأعرب عن استغرابه من أن الحكومة الحالية، بدلًا من فتح النقاش حول تضارب المصالح، والإثراء غير المشروع، والصفقات المشبوهة في قطاعات حيوية، اختارت حصر النقاش في سلوكيات بعض المنتخبين، بما يشبه التعميم المقصود والاختزال المخل، وهو ما يُعتبر، حسب تعبيره، تهريبًا للمعركة الحقيقية نحو أهداف هامشية.

الأدهى من ذلك، يضيف المسكاوي، أن وزير العدل الحالي سبق له سحب مشروع الإثراء غير المشروع من البرلمان دون تقديم أي بديل، ويمتنع عن فتح نقاش جدي حول ملفات شائكة من قبيل تضارب المصالح في أعلى هرم الدولة، أو الصفقات العمومية الضخمة التي يستفيد منها أشخاص محسوبون على أحزاب الأغلبية، أو حتى ملف دعم مستوردي الماشية الذي أثار انتقادات واسعة.

هذه المعطيات، مجتمعة، ترسم صورة قاتمة عن الإرادة السياسية الفعلية لمحاربة الفساد في المغرب، وتُظهر – حسب عدد من الفاعلين – أن الحكومة لا تمانع في التضييق على جمعيات جادة ونشيطة، بينما تتغاضى عن جمعيات تشتغل في الظل، وتُستغل كأذرع انتخابية في مواسم معينة.

وبينما ينتظر المغرب استحقاقات دولية كبرى، ويروّج لنفسه كوجهة للاستثمار والثقة، فإن تقليص دور المجتمع المدني في محاربة الفساد قد يبعث بإشارات سلبية للمجتمع الدولي، وقد ينعكس سلبًا على تصنيف المملكة في مؤشرات الحوكمة والشفافية، ما لم يتم تصحيح هذا التوجه وإعادة الاعتبار للمجتمع المدني كشريك لا غنى عنه في بناء مغرب نزيه وعادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *