600 مليون لإخراج مهرجان بلا روح.. مكناس على حافة فضيحة ثقافية

تستعد العاصمة الإسماعيلية مكناس، في أواخر شهر يونيو الجاري، لاحتضان الدورة الأولى من “مهرجان عيساوة”، في مبادرة يُفترض أن تُعيد الاعتبار لتراث المدينة الصوفي العريق، وتعزز حضورها على خارطة المهرجانات الوطنية الكبرى. غير أن الأجواء المرافقة لهذا الاستحقاق الثقافي، والمعلومات المتوفرة حتى الآن، تطرح أكثر من علامة استفهام حول الهوية الفنية للمهرجان، والجهات التي تقف وراء تدبيره، وكيفية صرف ميزانيته التي تُقدّر بنحو 600 مليون سنتيم.

فالمبلغ المرصود للمهرجان يضعه مباشرة ضمن قائمة التظاهرات الكبرى من حيث التمويل. إلا أن غياب رؤية واضحة المعالم، وضعف التواصل الرسمي، وغياب أي حملة تعريفية مهنية بالمضمون والبرمجة، يجعل الرأي العام المحلي يتساءل، أين ستُصرف هذه الميزانية؟ ومن يضمن أن تكون النتائج في مستوى الانتظارات؟ فالمدينة التي عُرفت تاريخيًا بتقاليدها العيساوية المتجذّرة، والتي لطالما كانت حاضرة بقوة في المشهد الروحي المغربي، تستحق مهرجانًا يُنظَّم بمهنية عالية، ويعكس خصوصية التراث لا أن يُختزل في سهرات غنائية موسمية بلا روح ولا مضمون.

ما أثار حفيظة العديد من المتتبعين، هو تسريب أسماء فنية ستُشارك في المهرجان، لا تمت بصلة للطابع العيساوي أو الصوفي عمومًا. وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة المهرجان وهل فعلا نحن أمام تظاهرة فنية تحمل هوية موضوعاتية واضحة، أم مجرد مهرجان غنائي بغطاء تراثي؟ وهل الهدف هو إحياء التراث أم فقط ملء جدول الأنشطة الصيفية؟ هذا التناقض بين الاسم والمضمون المحتمل، دفع كثيرين إلى التحذير من تكرار تجارب سابقة، حيث استُهلكت الميزانيات في عروض لا تحترم لا التيمة المعلنة، ولا انتظارات الجمهور، ولا هوية المدينة.

من النقاط التي أثارت استغراب الفاعلين الثقافيين بالمدينة، هو إسناد المهام الفنية والتنظيمية داخل المهرجان لأشخاص يفتقرون للحد الأدنى من الخبرة في تدبير تظاهرات ثقافية من هذا النوع، ووهو ما يطرح علامات استفهام حول المعايير المعتمدة في اختيار اللجان الفنية والتنظيمية، وما إذا كان الأمر يخضع لمنطق الكفاءة أم لمعايير أخرى غير معلنة. ويرى مهتمون أن أي مهرجان يُبنى خارج الخبرة والتجربة، مصيره الفشل، حتى لو رُصدت له ميزانيات ضخمة، محذرين من أن يتحوّل المهرجان إلى نسخة موسمية من مشاريع سابقة تبخرت بعد دورة أو دورتين، دون أثر ملموس أو تقييم موضوعي.

هذا ولا يزال الشارع المكناسي يتذكر مهرجان الفيلم العربي، الذي وُعدت المدينة من خلاله بإشعاع سينمائي دولي، قبل أن يُدفن المشروع بعد دورة واحدة، رغم المبالغ المالية التي صُرفت عليه. هذه السابقة جعلت ساكنة العاصمة الإسماعيلية تبدي تخوفها من تكرار نفس السيناريو مع “مهرجان عيساوة”، خاصة في ظل غياب التوضيح المؤسساتي، والتعتيم حول هوية المهرجان وخطته طويلة المدى.

فمكناس، بتاريخها وتراثها وموقعها، ليست مدينة تُدار ثقافيًا بالعشوائية أو بالمزاجية. فمهرجان يحمل اسم “عيساوة” لا ينبغي أن يتحوّل إلى واجهة شكلية لا تحترم لا ذاكرة المدينة ولا مقوماتها الروحية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتنظيم حدث موسمي، بل بتثبيت مشروع ثقافي مستدام، يعزز إشعاع مكناس، ويُعيد لها مكانتها التي تراجع بريقها لسنوات. وإذا كان هذا المهرجان يُقدَّم اليوم كمبادرة جديدة، فإن نجاحه من عدمه سيكون اختبارًا حقيقيًا للمؤسسات المشرفة، ومؤشرًا على مدى جدية الفاعلين في جعل الثقافة أداة تنمية لا مجرد مناسبة للإنفاق بلا أثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *