فاس تحت المجهر.. فوضى تنظيمية تثير الشكوك قبل كأس إفريقيا ومونديال 2030

في وقت كانت الأنظار تتجه نحو مدينة فاس لتُقدّم نفسها كواجهة رياضية مشرفة للمغرب، تمهيدًا لاحتضان تظاهرات قارية ودولية ككأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، تحوّلت المباراة الودية التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره التونسي، مساء الجمعة 6 يونيو، إلى محطة كشفت عن اختلالات تنظيمية صارخة، أثارت موجة استياء واسعة في أوساط الجماهير والمتابعين.

فوضى مرورية خانقة، إغلاق مفاجئ للطرق الرئيسية المؤدية إلى المركب الرياضي الكبير، وغياب تام للتواصل الرسمي أو التوجيه الميداني، كلها مشاهد رسمت صورة قاتمة عن مستوى الاستعدادات اللوجستية والتنظيمية. طرق حيوية، بينها الطريق نحو مدينة صفرو، أغلِقت دون سابق إنذار، ما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة السير وترك مئات السيارات عالقة، فيما اضطر آلاف المشجعين إلى السير كيلومترات تحت حرارة الشمس للوصول إلى الملعب، وسط غياب لافت للعناصر الأمنية أو فرق الإرشاد.

هذا المشهد، الذي وصفه كثيرون بـ”الفوضوي”، جاء بعد أيام فقط من ندوة صحفية أعلنت فيها السلطات المحلية وشركة “سونارجيس” عن جاهزية المركب لاحتضان الأحداث الكبرى، في خطاب مملوء بالتفاؤل والوعود. إلا أن الواقع الميداني عرى عن هشاشة في التنسيق، وسوء في تدبير تدفق الجماهير، ما وضع علامات استفهام جدية حول مدى استعداد المدينة لتنظيم تظاهرات بحجم مونديال 2030.

الجماهير، وخاصة حاملو التذاكر، وجدوا أنفسهم ضمن المتضررين الرئيسيين، إذ لم يتمكن العديد منهم من الوصول إلى المواقف المخصصة داخل محيط الملعب، رغم حصولهم على تصاريح رسمية. الأمر الذي أفرز حالة من الغضب والتذمر، في ظل غياب أي تفسير رسمي أو إجراءات استباقية واضحة، تعكس الحد الأدنى من المعايير التنظيمية المعتمدة في مثل هذه التظاهرات.

المجلس الجماعي لمدينة فاس لم يسلم من الانتقادات، بسبب تقصيره في التواصل مع المواطنين، وغيابه عن تنسيق الجهود مع باقي المتدخلين، خاصة على مستوى تدبير المرور وإعلام الساكنة والزوار بالإجراءات المرتبطة بيوم المباراة. كما سُجّل غياب أي توضيحات من شركة “سونارجيس”، المفوض لها تدبير المنشأة الرياضية، والتي اكتفت بتصريحات وردية خلال تقديم المشروع دون مرافقة فعلية أو متابعة ميدانية لحجم الإكراهات التي ظهرت لاحقًا.

ما حدث أعاد طرح سؤال جوهري: هل مدينة فاس، بكل ثقلها التاريخي والثقافي، مؤهلة فعلًا لمجاراة متطلبات التنظيم الحديث لتظاهرات كبرى؟ وهل يمكن تكرار هذا السيناريو في محطات قادمة إذا لم تتم مراجعة عميقة للمقاربات المعتمدة؟

المراقبون يرون أن الواقعة تستدعي أكثر من مجرد اعتذار أو تحميل جزئي للمسؤولية، بل تستلزم مراجعة جذرية لطرق التدبير، وآليات التنسيق، ومستوى جاهزية البنية التحتية، بما يضمن انسجام الفعل الرياضي مع الإطار المدني الذي يحتضنه.

وبينما تتجه أنظار العالم نحو المغرب مع اقتراب مواعيد رياضية مفصلية، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحوّل نوعي في المنهجية المتبعة، يقطع مع منطق الارتجال، ويكرّس ثقافة الاحتراف والتخطيط الاستباقي، حتى لا تتحوّل الفرص الدولية إلى مناسبات تُحرج المدن بدل أن تبرز نقاط قوتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *