راديو طنجة المتوسط.. حين تتحول الإذاعة العمومية إلى مكبر صوت للإخفاقات

كان من المفترض أن تكون إذاعة “راديو طنجة المتوسط” صوتًا مواكبًا لحركية أحد أكبر الموانئ في إفريقيا، ومنبرًا مخصصًا لخدمة الجالية المغربية والمسافرين ومهنيي النقل، من خلال تقديم الإرشادات والمعطيات الدقيقة حول الإجراءات الجمركية، وحركة السير، والطقس، وكل ما يتعلق بعملية العبور. تماما كما تم الاعلان عنه عند إطلاق المشروع في أكتوبر 2014، ولم يحدث قط.

في الواقع، يكفي أن تدير موجة الراديو نحو هذه المحطة لبعض الوقت، حتى يتضح أنها لا تشتغل بمنطق الخدمة العمومية، بل بمنطق “التسويق السياسي الداخلي”. فالمحطة الإذاعية الممولة من المال العام، صارت منصة لتبييض الإخفاقات وتلميع المسؤولين وتغييب الحقيقة، فلا صوت للمهنيين، ولا أثر لمعاناة الجالية، ولا حديث عن الاحتجاجات المتكررة داخل الميناء أو محيطه. وكل ما يُبثّ هو مواد علاقات عامة مكررة من تهنئات، وتصريحات رسمية، ومواد مصفّاة بعناية لتجميل صورة إدارة الميناء، حتى ولو كانت تعاني من أعطاب هيكلية لا تخفى على أحد.

والأدهى من كل ذلك، أن هذه الإذاعة لا تُخبر، ولا تنقل، ولا تُحاسب، بل تُصفّق فقط، وتغضّ الطرف عن طوابير مهنيي النقل المتضررين يوميًا من الفوضى والتأخّر في محطات التصدير، وتتجاهل كلّ التقارير التي كشفت هشاشة التنسيق وتكرار مشاهد “البلوكاج” في لحظات العبور، وتمرّ مرور الكرام على الأزمات كما حدث مع أزمة “مرحبا 2018” عندما تحوّلت إلى كابوس لآلاف المغاربة الذين عانوا لساعات في ظروف لا تليق بميناء دولي.

وإذا كان هذا الدور الإعلامي المشوّه يكفي وحده لإثارة الشكوك، فإن الغموض الذي يلف تمويل هذه المحطة وتدبيرها اليومي يضاعف من حجم الريبة. فلا معطيات واضحة حول التكلفة، ولا أثر لدفتر تحملات منشور، ولا وضوح في من يُدير الخط التحريري، ولا من يُحاسب من. كل شيء يتم داخل دائرة مغلقة، حيث المال العام يصرف دون رقابة، وصورة المسؤولين تُلمّع بلا مهنية.

الأمر لا يقف عند حدود ما يُبثّ على الأثير، بل يمتدّ إلى ما يُدار في الكواليس. فالإدارة نفسها التي تُشرف على المحطة هي من قامت، خلال السنوات الماضية، بابرام عقود إعلامية مع مواقع إلكترونية وفق معايير لا علاقة لها بالمهنية أو الانتشار، بل أقرب إلى المحاباة وتقسيم النفوذ الإعلامي المحلي، وهي قضية سنتناولها بالتفصيل في مقال لاحق.

وفي خضم هذا التعتيم، تتجاهل الإذاعة أيضًا معاناة أبناء منطقة الفحص أنجرة، الذين حلموا بأن يُشكّل الميناء ثورة اجتماعية وتنموية فوق أراضيهم، فإذا به يتحول إلى مشروع مغلق، يُوزّع الفرص بعيدًا عنهم، في خرق صريح لمبدأ العدالة المجالية الذي شدد عليه الخطاب الملكي مرارًا وتكرارًا.

وليس من المبالغة القول إن “راديو طنجة المتوسط” اليوم خرج تمامًا عن مساره المفترض. بدل أن يُنير الطريق للمسافرين والمهنيين، أصبح يضللهم. وبدل أن بكون صلة وصل بين الميناء ومحيطه، أصبح أداة فصل بين واقع يُعاني، وإدارة لا تريد أن تسمع سوى صوت نفسها.

فإلى متى سيستمر هذا الصمت؟ وإلى متى سنعتبر الإعلام المؤسسي مجرد امتداد للدعاية، لا شريكًا في الرقابة والنقد والبناء؟

الأسئلة كثيرة، والإجابات غائبة، لكن ما هو مؤكد أن هذه المحطة، يتم تسيرها اليوم، بأسلوب لا يخدم الميناء، ولا الجالية، ولا المهنيين، بل يخدم فقط صورة من فشلوا في التدبير ويخشون الغضب.

ونعد القارئ أننا سنعود إلى هذا الملف، لكشف المزيد من تفاصيل ما يجري داخل مكاتب مغلقة تدير إذاعة مغلقة على الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *