تصعيد إلكتروني جديد.. مجموعة جزائرية تخترق معطيات حساسة للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية بالمغرب

في تطور مقلق يعكس تصعيدًا جديدًا في الحرب السيبرانية التي تشنها جهات معادية للمملكة المغربية، أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم “جبروت”، يُزعم ارتباطها بأطراف جزائرية، عن تنفيذ هجوم إلكتروني استهدف قاعدة بيانات الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (ANCFCC)، مع تسريب آلاف الوثائق التي وصفتها بـ”الحساسة جدًا”.

وكشفت المجموعة عبر قناتها على تطبيق “تلغرام” عن نشر رابط يضم ما يزيد عن عشرة آلاف شهادة ملكية بصيغة PDF، إلى جانب أكثر من عشرين ألف وثيقة أخرى تتضمن عقود بيع وشراء، وثائق هوية، جوازات سفر، بيانات بنكية، ومعطيات شخصية لمواطنين مغاربة، بينهم شخصيات عمومية. هذا السلوك العدائي الرقمي لم يُبرر بأي معطى قانوني أو أخلاقي، بل ادعت المجموعة أنه يأتي كرد فعل على ما سمته “الدعاية المغربية” بخصوص تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال تجميد فرنسا لأصول لمسؤولين جزائريين.

ما يزيد من خطورة الوضع هو أن هذا ليس الهجوم الأول من نوعه، إذ سبق لنفس المجموعة أن أعلنت في أبريل الماضي عن اختراق مزعوم لقواعد بيانات وزارة التشغيل، مع سرقة معطيات حساسة لحوالي مليوني منخرط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هذا التكرار للهجمات يطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة الحماية الرقمية للمؤسسات الوطنية، ومدى استعدادها لمواجهة الجيل الجديد من التهديدات الإلكترونية.

وعلى إثر هذا الهجوم، تحركت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية بشكل استعجالي، حيث قررت توقيف منصتها الرقمية بالكامل، واعتماد العمل اليدوي في وكالاتها بجميع جهات المملكة. كما دعت العدول والموثقين والمحامين والمرتفقين إلى التوجه للمقرات لإنجاز معاملاتهم، ريثما يتم تأمين النظام المعلوماتي بالكامل، والوقوف على حجم الأضرار بدقة.

ما وقع يضع الدولة أمام تحدٍ حقيقي، يتطلب تعزيز البنية السيبرانية لجميع المؤسسات، لا سيما تلك التي تدير معطيات حساسة تمس أمن الأفراد والمؤسسات. فالهجمات الإلكترونية أصبحت شكلاً جديدًا من الاستهداف السياسي، يتجاوز الاختراق التقني إلى زعزعة ثقة المواطن في مؤسسات بلاده، ويستهدف رصيدًا استراتيجيًا من المعطيات العقارية والمالية والإدارية.

المعطى الأخطر أن هذه الهجمات تتم بإخراج سياسي مفضوح، يتغذى على الاحتقان الإقليمي والتوتر القائم بين الجزائر والمغرب. وإذا كان النظام الجزائري يعتقد أن ضرب المؤسسات الرقمية المغربية سيكبح زخم المواقف الدولية الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، فهو واهم؛ لأن العالم اليوم لا ينظر بعين التقدير إلى من يوظف “الهاكرز” بدل الحوار، ويهاجم منصات البيانات بدل بناء جسور التواصل.

ما حدث يجب ألا يُقرأ فقط من زاوية تقنية أو أمنية، بل من زاوية سيادية بامتياز. الرد لا يجب أن يكون فقط عبر تدابير الحماية، بل أيضًا عبر مواقف سياسية واضحة تُدين هذه الانزلاقات، وتُعرّي الجهة التي تدعم هذا النوع من العدوان المنظم.

لقد صار من الضروري الآن تسريع الإصلاحات القانونية الخاصة بالأمن السيبراني، وتعزيز منظومة حماية المعطيات الشخصية، وتطوير أجهزة الاستخبارات الرقمية لمواكبة مستوى التحدي المفروض، بل واستباقه.

اليوم الحرب تغيّرت، ومعها تغيرت أدواتها. ومن لا يملك سيادة رقمية متماسكة، يظل مكشوفًا في زمن لا يرحم الدول الضعيفة تكنولوجيًا، حتى لو كانت قوية سياسيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *