فؤاد السعدي يكتب: غابات طنجة بين لهب الحرائق ولهفة العقار.. من المسؤول؟

لم تعد غابات طنجة مجرد رئة خضراء تُنعش المدينة وتضبط توازنها البيئي، بل تحوّلت إلى هدف ثمين لما يمكن تسميته بـ”زحف عقاري مغطى قانونيًا”، يستبيح المجال الغابوي تحت يافطة الاستثمار والتنمية، فيما الحقيقة على الأرض تحكي عن واقع خطير من النهب الممنهج والتدمير المتواصل لمساحات خضراء لا تُعوّض.

ما يجري اليوم في غابات المدينة ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمخطط قديم، بدأ يتسلل بخبث منذ عقود، عبر وسائل متعددة تبدأ بإشعال الحرائق وتنتهي ببناء الإقامات السكنية الفاخرة. الجميع في طنجة يعلم أن مسلسل الحرائق الغامضة، التي تضرب غابة تلو الأخرى، لم يكن يومًا عرضيًا أو بفعل الصدفة، بل كثيرًا ما يكون مفتعلاً من قبل جهات تعرف جيدًا ما تفعله. تُحرق الغابة، تمر الشهور في صمت رسمي، ثم يُفتح المجال لمشاريع عمرانية تُسوَّق تحت ذرائع مختلفة مثل “ممرات سياحية”، أو “منتجعات طبيعية”، أو “تهيئة حضرية” أو غيرها، وهكذا تبدأ الجرافات في الاشتغال، ويُقبر الغطاء النباتي تحت أطنان الإسمنت.

أمثلة ذلك كثيرة ومؤلمة فهناك غابات قضت نحبها وهناك أخرى لازالت تنتظى ومثال على ذلك لا الحصر، غابة سيدي احساين، غابة الهرارش، غابة السلوقية، غابة الونويش، غابة المريسات، غابة المنار، غابة مديونة وغيرها كلها مساحات كانت قبل سنوات خضراء نابضة بالحياة، واليوم لم يتبق منها سوى الأسماء في ذاكرة السكان أو بعض الأشجار اليتيمة.

لكن المثال الصارخ الذي يختزل هذا العبث البيئي هو ما جرى ويجري في غابة الرميلات. هذه الغابة، التي تعتبر من أجمل وأغنى فضاءات المدينة بيئيًا وتاريخيًا، تعرضت في نهاية التسعينيات لعملية تفويت وُصفت بأنها “استثناء قانوني مشبوه”، أو ما يُعرف في المصطلح الإداري بـ “Dérogration”، وهو إجراء يسمح بتجاوز القوانين التنظيمية العادية في حالات استثنائية.

العملية جرت خلال فترة حكومة عبد الرحمن اليوسفي سنة 1997، وبتأشيرة رسمية من وزير الاقتصاد والمالية آنذاك فتح الله ولعلو، ووزير إعداد التراب الوطني محمد اليازغي. وقد مُنحت الغابة بثمن رمزي لا يتجاوز درهمين للمتر المربع، بحجة تأهيلها وتحويلها إلى فضاء مفتوح لفائدة عموم المواطنين. لكن بعد مرور سنوات، تحولت الرؤية إلى سراب، وتم تسييج مساحات واسعة منها، وشرع في بناء إقامات سكنية فاخرة، تُباع اليوم بأثمنة خيالية تجاوزت 30 ألف درهم للمتر الواحد.
هكذا تحوّلت “الاستثناءات القانونية” إلى غطاء رسمي لممارسة الريع العقاري، حيث تُفوت أملاك عامة بأبخس الأثمان، لتُعاد بيعها لاحقًا على شكل مشاريع تُدر الملايير، دون أي اعتبار للعدالة المجالية أو الحفاظ على البيئة أو حق الأجيال المقبلة في فضاء نظيف ومتوازن.
ما يثير القلق اليوم، أن هذا النموذج، نموذج الرميلات، يتكرر بصيغ مختلفة في غابات أخرى من المدينة، وسط صمت مريب من السلطات المحلية، وغياب تام لأي محاسبة حقيقية. كما أن بعض المبادرات الشكلية، مثل إعادة التشجير بعد الحرائق، لا تعدو أن تكون “ذر الرماد في العيون”، إذ إن المساحات المحروقة غالبًا ما تبقى على حالها، أو تُستغل في ما بعد لأغراض عقارية تحت غطاء الاستثمار أو السياحة البيئية.

الكرة اليوم في ملعب وزارة الداخلية، التي بات لزامًا عليها تشكيل لجنة وطنية لتقصي الحقائق في ما تتعرض له غابات طنجة من تفويتات مشبوهة وتحويلات صامتة، والوقوف عند مدى قانونية ما يتم، ومن يستفيد، ولماذا يُسمح باستمرار هذا النزيف البيئي تحت عناوين براقة.

اليوم طنجة، المدينة العريقة، تستغيث، وغاباتها تبكي. فهل من مجيب؟ أم أن الإسمنت سيواصل زحفه حتى آخر شجرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *