التجمع الوطني للأحرار بطنجة.. أزمة قيادة أم فشل رؤية؟

منذ الاستحقاقات الجماعية والتشريعية لسنة 2021، دخل حزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة طنجة في مرحلة حرجة عنوانها الأبرز الانكماش التنظيمي وتراجع التأثير السياسي. فبدل أن تُشكل نتائج الثامن من شتنبر نقطة انطلاق نحو ترسيخ موقع الحزب محليًا، تحوّلت إلى بداية انحدار تنظيمي يُنذر بخسائر سياسية في الأفق، والسبب يعود بالدرجة الأولى إلى فشل القيادة الإقليمية في فرض الاستقرار والتجانس داخل صفوف الحزب.

لقد كان يُنتظر من المسؤول الإقليمي، الذي يجمع بين صفة انتخابية رفيعة وموقع حزبي مؤثر، أن يكون عنصر توازن وتدبير استراتيجي، إلا أن الممارسة أفرزت معطى مغايرًا، حيث غابت الرؤية، وضاعت البوصلة التنظيمية، وساد نمط تدبيري منغلق لم يُنتج سوى التوترات والانقسامات. وهي اختلالات عمّقت الشرخ بين القيادة والقاعدة، وأفرزت حالة من الجفاء بين الحزب ومحيطه المجتمعي.

على المستوى الداخلي، فشل الحزب في المحافظة على تماسكه التنظيمي، ولم يستطع تأطير مناضليه أو تحفيزهم على مواصلة الانخراط. كما أن المبادرات السياسية والتواصلية، التي تشكل صلب العمل الحزبي الحديث، ظلت غائبة أو محدودة الفعالية، مما جعل الحزب يبدو كيانًا هشًا، فاقدًا للروح، ومكتفيًا بتدبير موسمي لا يرقى إلى طموحات مرحلة ما بعد الانتخابات.

أما على مستوى المجالس المنتخبة، فقد انعكس هذا الضعف التنظيمي في أداء باهت، يكاد لا يُذكر إلا في حالات فردية معزولة. وبدل أن يكون الحزب قوة اقتراحية فاعلة في الجماعة والمقاطعات، بقي رهين مواقع رمزية لا تصنع فرقًا ولا تُقنع الشارع المحلي بجدوى حضوره.

حتى على صعيد الجهة، حيث تتجمع الإمكانيات والصلاحيات، ظل الإيقاع السياسي بطيئًا، تعتريه ضبابية في الإنجاز وتردد في التفعيل. وهو واقع يُضعف صورة الحزب محليًا، ويطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة القيادة الإقليمية على تجسيد وعود الحزب الوطنية في النجاعة والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولعل ما يُفاقم الوضع هو استمرار نهج إقصائي في التعاطي مع الكفاءات، وغياب أي مسعى جاد لتجديد النخب أو فتح قنوات الإنصات داخل التنظيم. فبدل أن تكون القيادة عامل توحيد وجذب، تحوّلت إلى مركز نفور وصراع صامت، أنهك بنية الحزب الداخلية وأفقده جاذبيته لدى شرائح واسعة، خاصة الشباب، الذين تم تجاهل طاقاتهم واختزال حضورهم في المناسبات الشكلية.

اليوم، وبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على لحظة كان يُفترض أن تكون تأسيسية، يجد الحزب نفسه في وضع لا يُحسد عليه. فكل المؤشرات توحي بتآكل نفوذه وتراجع إشعاعه، في وقت تستعد فيه القوى السياسية الأخرى لإعادة انتشارها وتوسيع قاعدتها بمدينة معقدة، لا ترحم من يتعامل معها بمنطق المركزية والقرارات الفوقية.

إن عودة التجمع الوطني للأحرار إلى واجهة الفعل السياسي بطنجة لن تتم إلا عبر إعادة النظر الجذرية في قيادة الحزب محليًا، وتغيير المقاربة التدبيرية التي أثبتت محدوديتها. فطنجة تحتاج إلى قيادة حزبية منفتحة، تشتغل بعقل جماعي، وتستثمر في الإنسان، وتؤمن بأن العمل السياسي لا يُدار من فوق، بل يُبنى بالتشاور والتراكم الميداني.

المرحلة المقبلة ستُفرز موازين جديدة، ولا مكان فيها لمن يستنزف الرصيد التنظيمي بدل تعزيزه. أما الاستمرار في الوضع الحالي، فهو ببساطة مجازفة بمصير حزب اختار أن يكون في واجهة المشهد، لكنه فشل محليًا في إثبات أحقيته بذلك الدور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *