انشقاق جديد من “السنبلة”.. قياديون يؤسسون حزباً بمرجعية حركية ويحمّلون أوزين مسؤولية التشتّت

منذ ستينيات القرن الماضي، ظلّ حزب الحركة الشعبية عرضة لانشقاقات متكررة، كان أبطالها في الغالب قياديين بارزين اختاروا الانفصال وتأسيس كيانات سياسية جديدة، انبثقت من رحم الحزب نفسه. هذا المسلسل لم ينته بعد، إذ يشهد المشهد السياسي اليوم ولادة مكون جديد يُنتظر أن يباشر نشاطه فور حصوله على ترخيص رسمي من وزارة الداخلية.
هذا التنظيم السياسي الجديد يحمل اسم “الحركة الديمقراطية الشعبية”، ويقوده برلمانيون وقياديون سابقون في الحزب الأم، أعلنوا القطيعة مع القيادة الحالية بسبب ما وصفوه بتراكم الأخطاء وغياب الرؤية، محملين الأمين العام محمد أوزين مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الحزب، وواصفين قراراته بالارتجالية والاقصائية.
محمد عليوي، أحد مؤسسي هذا الإطار السياسي الجديد وعضو سابق بالمجلس الوطني للحركة الشعبية، أكد أن المبادرة تحظى بدعم واسع من مناضلين ومناضلات من مختلف أقاليم المملكة، سواء من داخل الحزب أو من خارجه، بما في ذلك المستقلون وعدد من المنتسبين لأحزاب أخرى. وأوضح أن الهدف من هذه الخطوة هو تأسيس حزب نظيف، يختلف في منهجيته وتصوراته عن ما هو سائد، ويرتكز على مبادئ الأخلاق ونظافة اليد وحسن المعاملة، مع حس وطني صادق في خدمة البلاد.
عليوي شدد على أن الخطوة تحمل بعدًا تصحيحيًا لمسار الحركة الشعبية، داعيًا إلى مصالحة شاملة بين الحركيين. واعتبر أن الوضع الحالي للحزب الأصلي هو نتيجة مباشرة لسلوك الأمين العام وقيادة الحزب التي احتكرت القرار وهمشت كل من يخالفها الرأي. وأشار إلى أن هناك من استنفد كل سبل التريث والتفاؤل بمستقبل الحزب تحت القيادة الحالية، لكن خيبة الأمل كانت أكبر مما يُحتمل.
وأعرب المتحدث عن أسفه لما آلت إليه أوضاع الحركة، مبرزًا أن القيادة الحالية جمدت معظم هياكل الحزب على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، ما اعتبره قرارًا عبثيًا عمّق الأزمة الداخلية وأنتج حالة من النفور الجماعي وسط القواعد. وأضاف أن القيادة الحالية عمدت إلى فرض قرارات غير مدروسة، وخلقت حالة من التوتر والصراعات الهامشية التي لا طائل منها.
في مواجهة هذا الواقع، تم استعراض مجموعة من الخيارات، من بينها الانضمام إلى حزب آخر، أو تأسيس إطار جديد برؤية واضحة وكفاءات قوية. وفي النهاية، وقع الاختيار على تشكيل حزب جديد، يستوعب الطاقات الغاضبة ويمنحها فضاءً سياسياً يليق بتطلعاتها.
عليوي لم يخفِ وجود مفاوضات مع شخصيات من أحزاب أخرى، بعضها كان في طور الانتقال السياسي، قبل أن تقرر الالتحاق بالمبادرة الجديدة، في سعي نحو تجميع شتات الحركيين، وإعادة الدفء إلى الجسم السياسي الذي تشظى بفعل ما سماه بـ”القرارات الانفرادية غير المسؤولة”.
أحد النماذج الفاضحة، حسب رأيه، هو ما وقع في مدينة الناظور، حيث تسببت تدخلات القيادة في خلق أجواء صراعية أدت إلى مغادرة عدد مهم من الفاعلين السياسيين للحزب. الأمر نفسه تكرر في الحسيمة والدريوش وعدد من مناطق الريف، حيث فقد الحزب بريقه بفعل اختيارات غريبة وتزكيات مثيرة للجدل، من بينها تزكية مرشح في مدينة بن طيب أدت إلى خسارة مهينة أمام حزب آخر لا يملك سوى مقعد يتيم، ومع ذلك نجح في الفوز برئاسة المجلس الجماعي.
وتابع عليوي قائلاً إن استمرار هذا النهج سيزيد من عزلة الحزب، وسيقضي على ما تبقى من ثقة المواطنين فيه، مضيفًا، “لا يمكن أن نستمر في مشروع سياسي فقد بوصلته الأخلاقية والتنظيمية، لذلك قررنا وضع حد لهذه المهزلة، والانطلاق من جديد نحو تأسيس حزب عنوانه النضج، والحوار، والتعقّل، والالتزام بقيم السياسة النبيلة”.
وفي ما يتعلق بأهداف الحزب الجديد، يرى عليوي أن الساحة السياسية تعاني من غياب قيم ضرورية مثل الصدق، والنزاهة، وروح المبادرة، والإحساس العميق بخدمة الوطن. وهي القيم التي سيحاول الحزب الجديد إعادة الاعتبار لها، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية التي طغت على الممارسة السياسية في السنوات الأخيرة.
وأكد أن الأهداف التفصيلية للمشروع الحزبي سيتم التوافق بشأنها خلال المؤتمر التأسيسي، الذي يُنتظر عقده قريبًا، مشيرًا إلى أن فريقًا من الخبراء القانونيين يعمل على صياغة الوثائق المرجعية الأساسية، من أجل تقديم مشروع سياسي متكامل يواكب تطلعات المواطنين ويعكس حاجيات اللحظة.
واعتبر عليوي أن من أولويات المشروع الجديد استعادة العلاقة العائلية التي كانت تجمع مناضلي ومناضلات الحركة الشعبية، قبل أن تتحول إلى ساحة للصراعات والإقصاء، مؤكداً أن الحركة لم تكن مجرد حزب، بل مدرسة سياسية قائمة على القيم والتكوين والتضحية.
المبادرة السياسية الجديدة خرجت من منطقة الريف، معقل الحركيين، والتي لطالما شكلت قاعدة دعم قوية لحزب السنبلة، سواء على المستوى الرمزي أو الانتخابي. وذكر عليوي أن الريف كان دائمًا عنصرًا فاعلًا في تشكيل ملامح الحركة الشعبية، سواء في انطلاقتها الأولى سنة 1957، أو في محطاتها المفصلية، واستحضر في هذا السياق شخصية دو أبرقاش كأحد مؤسسي الحزب البارزين المنحدرين من المنطقة.
عليوي عبّر عن أسفه العميق من تراجع تأثير الحزب داخل الريف، نتيجة التشتت والصراعات الداخلية، مشيرًا إلى أن الحزب الجديد سيعمل على إعادة اللحمة بين الحركيين في الريف، وفي باقي مناطق المغرب، مؤكداً أن المشروع يتأسس على قيم الانفتاح والاحتواء، وليس الإقصاء والتهميش.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن النواة الصلبة للأحزاب الكبرى، سواء كانت في الحكومة أو المعارضة، مكونة في جزء كبير منها من الحركيين والحركيات، معرباً عن أمله في عودتهم إلى “بيتهم الحقيقي”، من خلال هذا المشروع السياسي الجديد، حتى تستعيد الحركة زخمها وتلعب دورها الطبيعي داخل المشهد الوطني، خاصة في منطقة الريف التي كانت وستظل قلعة حركية بامتياز.