برلمانية مكناس تُطلق ناقوس الخطر.. الصحة العمومية تحتضر و”ما كاين والو”

في واحدة من أقوى المداخلات البرلمانية خلال جلسة الأسئلة الشفوية الأخيرة بمجلس النواب، حملت النائبة البرلمانية عن جهة دائرة مكناس، حكيمة سحاقي، عضو الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، ملف القطاع الصحي بالمدينة إلى قبة البرلمان، وواجهت وزير الصحة أمين التهراوي بمجموعة من الحقائق الصادمة، التي تعكس عمق الأزمة الصحية بالإقليم، وتُعرّي واقع الإهمال المؤسساتي الذي طال هذا القطاع الحيوي لسنوات.

سحاقي، التي تشتغل ضمن لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية وشؤون الهجرة والمغاربة المقيمين بالخارج، لم تكتفِ بالتشخيص العام، بل قدمت أرقامًا دقيقة ومعطيات ملموسة، تؤكد الوضع الكارثي الذي يعيشه المستشفى الإقليمي محمد الخامس وباقي المراكز الصحية بالمدينة.

ففي مستشفى محمد الخامس، الذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1957، يتجدد الحديث عن بنية تحتية متآكلة، حيث المصاعد تعاني من أعطاب مزمنة، وشبكة الكهرباء غير آمنة، وأغلب الأجهزة البيوطبية متقادمة ولا تواكب الحاجيات الطبية الحديثة. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون المستشفى نواة العلاجات الأساسية للإقليم، يعيش اليوم على وقع خصاص صارخ في الموارد البشرية بطبيب تخدير واحد فقط يزاول مهامه به، في وقت يستقبل فيه عشرات الحالات المستعجلة يوميًا.

ولم تكن هذه النقطة سوى بداية سلسلة أعطاب أخرى؛ فمستشفى بانيو بدوره لا يتوفر سوى على طبيب تخدير وحيد، في حين أن مستشفى مولاي إسماعيل توقفت به العمليات الجراحية بشكل كامل منذ ثمانية أشهر، بسبب غياب طبيب إنعاش، مما يضع حياة عدد من المرضى في دائرة الخطر ويُجبرهم على البحث عن العلاج في مدن أخرى.

أكثر من ذلك، أشارت النائبة إلى المفارقة الصارخة التي يمثلها مستشفى سيدي سعيد: ورغم المبالغ المالية المهمة التي تم ضخها من أجل تحديثه، فإن المركب الجراحي ومجموعة من المرافق الحيوية ظلت مغلقة منذ لحظة تدشينها، ولا يشتغل المستشفى حاليًا سوى في تخصص واحد هو أمراض الصدر، وكأن المدينة لا تحتاج لطب النساء أو الجراحة العامة أو الفحوصات الدقيقة.

وعلى مستوى مستشفى الأم والطفل، يُسجل الخصاص الأكثر خطورة في طب الأطفال، إذ لا يشتغل فيه سوى طبيبين فقط، يلتزمان بالمداومة على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع، وهو ضغط غير مسبوق يعكس ضعف التوزيع الطبي، ويشكل تهديدًا حقيقيًا لحياة المواليد الجدد.

الأخطر من ذلك، كما تقول سحاقي، هو استمرار وزارة الصحة في منح التقاعد النسبي لأطباء في تخصصات نادرة تعاني أصلًا من خصاص كبير، ما يطرح علامات استفهام حول استراتيجية تدبير الموارد البشرية بالقطاع. “كيف يُعقل أن يُحال طبيب على التقاعد في تخصص لا يضم سوى طبيب أو اثنين على الصعيد الإقليمي؟” تتساءل البرلمانية باستغراب.

سحاقي ختمت مداخلتها بلغة مباشرة وصادمة: “ما كاين والو”. جملة قصيرة لكنها تختزل خيبة أمل ساكنة مكناس، التي تلقت وعودًا متكررة بتجهيز مستشفى محمد الخامس وتوفير جهاز IRM وبناء مستشفى إقليمي من الجيل الجديد، إلا أن أيًّا من تلك الوعود لم يتحقق، وظلت حبرًا على ورق أو مادة لتصريحات إعلامية فضفاضة.

الوضع لا ينحصر فقط في قبة البرلمان، فخلال أشغال الدورة العادية لمجلس جماعة مكناس لشهر ماي الماضي، ظل موضوع الصحة حاضرًا في تقارير الأعضاء ومطالب المجتمع المدني، وسط تزايد شكاوى المواطنين والمواطنات حول رداءة الخدمات الطبية، وطول مواعيد الاستشفاء، وغياب التخصصات.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور فريد بوحي، فاعل سياسي محلي، أن ما تعيشه مدينة مكناس على المستوى الصحي هو تجاوز لحدود الإهمال، وأن الحق في الصحة ليس امتيازًا تمنحه الدولة، بل واجب دستوري تضمنه المؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني على حدّ سواء. وأضاف بوحي “من غير المقبول أن تظل ساكنة مكناس تكابد الألم في صمت، أو تضطر للتنقل إلى مدن أخرى من أجل علاج بسيط كان من المفترض أن توفره مستشفيات الجوار”.

وشدد المتحدث على عزمه مواصلة الدفاع عن هذا الملف الحيوي داخل جميع الهيئات التي ينتمي إليها، واستعمال كل الوسائل القانونية والمؤسساتية لتغيير هذا الواقع، مؤكداً أن معركة الصحة ليست قضية معزولة، بل صلب كرامة المواطنين وواحدة من أهم تجليات العدالة الاجتماعية.

فشعار “معاً من أجل مكناس أكثر إنصافاً، أكثر صحة، وأكثر كرامة”، يتحول شيئًا فشيئًا من مجرد مطلب إلى صرخة جماعية يجب أن تجد من يسمعها في ردهات الوزارات قبل أن يتحول صمت المؤسسات إلى شراكة في الإهمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *