مكناس تخرج من الظلام.. عامل المدينة يقود ثورة الإنارة العمومية بشراكة جماعية غير مسبوقة

في سابقة نوعية تعكس دينامية تنموية جديدة بمدينة مكناس، تم الإعلان عن مشروع ضخم لإعادة تأهيل وتحديث منظومة الإنارة العمومية بكامل تراب المدينة، وفق رؤية متكاملة تستجيب لمعايير النجاعة الطاقية والتنمية المستدامة. المشروع، الذي سيمتد على مدى ثلاث سنوات، هو ثمرة عمل جماعي دقيق قاده عبد الغني الصبار عامل عمالة مكناس، إلى جانب عباس الومغاري رئيس الجماعة، ورؤوف الإسماعيلي رئيس جماعة المشور الستينية، وبمشاركة فعالة من مختلف الفاعلين المحليين والإداريين، ليشكّل نموذجًا للتنسيق المؤسساتي الناجح.
وقد كان الاجتماع الذي عُقد صباح اليوم الخميس بحضور الكاتب العام للعمالة، ورئيس قسم الجماعات المحلية، مناسبة لعرض نتائج دراسة معمقة استغرقت أزيد من سنة وثلاثة أشهر، وكلفت 1.2 مليون درهم، أنجزها أحد أكبر مكاتب الدراسات المتخصصة في النجاعة الطاقية. وقد خلصت هذه الدراسة إلى خطة استثمارية ضخمة تُقدر بـ300 مليون درهم، ستُنفذ على مراحل، وتُحدث تحولًا نوعيًا غير مسبوق في بنية الإنارة العمومية بمكناس.
هذا ولعل ما يميز هذا الورش الحيوي ليس فقط حجم التمويل، بل الرؤية الاستراتيجية الشاملة التي تقف خلفه. فقد شملت الدراسة تشخيصًا دقيقًا لحوالي 39,928 نقطة ضوئية موزعة على مجموع تراب المدينة، وامتدت إلى 1095 كيلومترًا من الشبكات الكهربائية، منها 493 كيلومترًا من الكابلات الهوائية، و602 كيلومترًا من الكابلات الأرضية، عدد كبير منها تجاوز عمره الافتراضي، بما في ذلك 69 كيلومترًا من الكابلات المؤقتة.
وسيركز المشروع في مرحلته الأولى على معالجة الاختلالات التقنية، وصيانة الشبكة، وتجديد أعمدة الإنارة التي تعاني من أضرار هيكلية، وذلك قبل الشروع في تعميم تقنية “LED” على جميع نقاط الإنارة بالمدينة، ما من شأنه أن يحقق تخفيضًا بأكثر من 40% في الاستهلاك الطاقي، إضافة إلى تقليص الانبعاثات الكربونية، بما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية في المجال البيئي والمناخي.
هذا ولا يقف الطموح عند الجانب التقني فقط، بل يتعداه إلى اعتماد منظومة رقمية متطورة للمراقبة والتحكم، تسمح برصد الأعطاب إلكترونيًا، وتكييف قوة الإنارة حسب الفصول واحتياجات كل منطقة، سواء سكنية، سياحية أو خدماتية، مما يعزز الإحساس بالأمن وجودة الحياة في الفضاء العام.
جدير بالذكر أن المشروع لم يكن ليرى النور لولا الرغبة الأكيدة لعامل مكناس، ورئيس الجماعة، ومكتبه، في تجاوز سنوات من التهميش والاختلالات التقنية التي راكمتها المدينة. كما يشكل خطوة أولى ضمن رؤية أوسع تروم تحديث البنية التحتية للمدينة وجعلها في مصاف الحواضر الذكية والنموذجية وطنياً.
وتؤكد التجربة أن مثل هذه الأوراش الكبرى لا تُنجز بتدبير فردي، بل بتضافر جهود كل الشركاء، من سلطات ترابية، ومجالس منتخبة، وأطر تقنية، وإرادة سياسية واضحة، كما أنها تُظهر أن مكناس قادرة على كسر الجمود والانطلاق نحو المستقبل حين تتوفر الإرادة والعمل الجماعي.
وفي انتظار انطلاق الأشغال، يحق لساكنة مكناس مع الرئيس الجديد ومكتبه المسيير أن تأمل. فهذه ليست فقط إنارة جديدة، بل رسالة بأن المدينة بدأت تخرج فعليًا من الظل.