“الهدهد والطيور الاثنا عشر”.. عندما يُصبح الفن جسراً لبناء الطفل في سيدي مومن

في قلب حي سيدي مومن بالدار البيضاء، حيث التحديات الاجتماعية أكبر من الوعود، تبادر جمعية أم الغيث إلى تحويل الفن إلى أداة تربوية فعلية، عبر مشروع غير مسبوق يجمع بين المسرح والموسيقى والتنشئة الروحية، من خلال عرض فني بعنوان “الهدهد والطيور الاثنا عشر”، المقرر تنظيمه يومي 2 و3 يونيو 2025 بمركز غالي برادة التابع لمؤسسة أم كلثوم، ضمن فعاليات مهرجان سيدي مومن للطفولة ما قبل المدرسية “بذور وجسور”.
المبادرة تنظمها الجمعية بشراكة مع وكالة Par-Chemins Concepts، وهي ثمرة برنامج سنوي يراهن على غرس القيم الثقافية والروحية في نفوس أطفال التعليم الأولي، انطلاقاً من الفنون التعبيرية والرمزية. وقد اختار المنظمون أن يستلهموا هذا العمل من رائعة فريد الدين العطار “منطق الطير”، التي أُعيدت كتابتها في قالب شعري مبسط، وباللغة الدارجة، لتناسب خيال الطفل دون أن تفقد عمقها الفلسفي.
ولم يقتصر الاشتغال على الإنتاج الفني فحسب، بل شكّل جزءًا من مشروع تربوي أوسع امتد طيلة الموسم الدراسي، عبر ورشات في المسرح، الغناء، الرسم، التشكيل ولعب الأدوار، أشرف عليها تربويون وفنانون مختصون، بهدف تمكين الأطفال من التعبير عن أنفسهم، وتحفيز ملكاتهم الوجدانية والإبداعية. الأطفال لم يكونوا مجرد متفرجين، بل شاركوا فعليًا في كل مراحل العمل، من التدريب إلى الأداء، ما يمنح العرض مصداقية وجدانية وتجربة تعليمية ذات أثر طويل المدى.
ويتبنى المشروع منهجًا سيكوبيداغوجيًا متكاملاً، يركّز على المشاركة، والإبداع، والتعلم بالعاطفة، ويُوظف الفن باعتباره أداة للوعي والتغيير، خاصة في أوساط تعاني من الهشاشة. كما امتدت فلسفة المشروع إلى أسر الأطفال من خلال لقاءات وورشات عائلية هدفت إلى تعزيز الروابط العاطفية والتربوية داخل البيت، وترسيخ حس المسؤولية المشتركة في التنشئة.
وعرف هذا العمل مشاركة نخبة من الأسماء الفنية والتربوية، من بينهم أمل عيوش، إسماعيل العلوي، صوفيا هادي، دريس الصقلي، ليلى السلاوي، حياة أرهوني، والمخرجة ليلى الصقلي لامي، إلى جانب مربيات جمعية أم الغيث. كما حظي المشروع بدعم مؤسسة أم كلثوم، وبمساهمة نوعية من المفكر فوزي الصقلي، ما يعكس مستوى التنسيق والتعبئة التي رافقت جميع مراحل إنجاز هذا المسار الفني التربوي.
في حي مثل سيدي مومن، لا يُمكن اعتبار الفن ترفاً، بل هو فعل مقاومة ضد التهميش، ومسار بديل لبناء أفق إنساني جديد. عرض “الهدهد والطيور الاثنا عشر” لا يقدم فقط لحظة فرجة ممتعة، بل يؤسس لثقافة الاعتراف بالطفل، والرهان على الفن كجسر بين الطفولة والمستقبل.