حزب الأحرار بمكناس.. من الانتصار إلى الانهيار

بقلم | فؤاد السعدي

لم يكن أحد يتوقّع أن يتحول حزب التجمع الوطني للأحرار بمكناس، في ظرف قياسي، من قوة انتخابية مهيمنة إلى كيان سياسي متشظٍّ، تتقاذفه الصراعات الداخلية، والأحكام القضائية، والنكسات المتتالية.

فبعد أن ظفر بموقع الصدارة في الانتخابات الجماعية والتشريعية، وبسط نفوذه على رئاسة جماعة مكناس، ومجلس العمالة، كان يُخيّل للبعض أن الأحرار وضعوا المدينة تحت جناحهم السياسي لعقود قادمة. غير أن الواقع أثبت العكس تمامًا، وبدأت سلسلة الانهيارات تتوالى بوتيرة صادمة، حتى بات الحزب يُحاكم من داخل بيته، قبل أن يُحاسبه الشارع.

أولى الضربات جاءت من المحكمة الدستورية، حين أسقطت النائب البرلماني بدر الطاهري، المنسق الإقليمي للحزب، بسبب فقدانه للأهلية الانتخابية بعد صدور حكم بالتصفية القضائية ضده شخصيًا، وهو القرار الذي شكّل زلزالًا سياسيًا حينها، لأنه لم يُسقط فقط مقعدًا نيابيًا، بل كشف عن خلل كبير في انتقاء مرشحي الحزب وغض الطرف عن شروط قانونية أساسية.

ثم جاءت الضربة الثانية، حين أُسقط الطاهري مجددًا من رئاسة غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة فاس مكناس، بعد سلسلة من الطعون القضائية التي لم تترك له موطئ قدم مؤسساتي، وهو الذي كان يطمح إلى عضوية المكتب السياسي للحزب وحقيبة وزارية.

غير أن الانهيار لم يكن تنظيميًا فقط، بل امتد إلى قلب التدبير المحلي، حين انقلبت الاتحادية الإقليمية للحزب على رئيس جماعة مكناس جواد باحجي، أحد وجوهه البارزة، ليخسر معه رئاسة الجماعة، بعد تصويت جزء من أعضائه لفائدة مرشح حزب الاتحاد الدستوري. ومن هناك، بدأت مرحلة “التجريد السياسي”، من خلال قرار اعتبره كثيرون ترسيخًا لمنطق الإقصاء بدل احتواء الخلافات.

وفي خضم هذه الأزمة، خرجت أمل بنعيش، نائبة رئيس الجماعة السابقة وإحدى الوجوه البارزة بالحزب، بتدوينة لاذعة، فجّرت فيها الغضب داخل البيت التجمعي، متهمة المنسق الإقليمي بـ”التخريب السياسي”، وبتحويل الحزب إلى منصة لتصفية الحسابات، واصفة دعوته الأخيرة للهدنة بـ”الطنز العكري”، في موقف عرى حجم الانقسام الداخلي، وفقدان أي انسجام تنظيمي حقيقي.

من حزب كان يُقدَّم كقوة صاعدة تملك مشروعًا تنمويًا، تحوّل الأحرار بمكناس إلى حالة سياسية مأزومة، متهمة بإغراق المدينة في العبث، والانشغال بالتحكم في المواقع بدل خدمة المواطنين.

أما الشارع المكناسي، الذي كان يُعلّق آمالًا على تغيير حقيقي، فقد عبّر عن خيبته بوضوح، خاصة بعد تعثر مشاريع البنية التحتية، وغياب الرؤية، والانقسامات داخل المجلس الجماعي، وتدهور العلاقة بين المنتخبين، وتهميش الكفاءات، خصوصًا خلال النصف الأول من الولاية الجماعية.

اليوم، لا يحتاج المتتبع إلى كثير من الجهد ليدرك أن حزب الأحرار قد اندحر بمكناس، لا بفعل المعارضة، بل بانهياره الذاتي، وتناقضاته الداخلية، وعجزه عن إنتاج قيادة موحدة ورؤية سياسية متماسكة. اليوم لم يبقَ من “الحمامة” سوى الريش المتطاير، وسط ساحة سياسية ساخنة، لا ترحم من يخطئ الحساب، أو يستخف بثقة الناخبين.

فمكناس لم تسقط، لكن الذين توهموا التحكم فيها، هم من سقطوا تباعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *