التنمية الشاملة لمدينة مكناس مسؤولية مشتركة تتجاوز السطحية

بقلم | ع – س

إن الحديث عن التنمية ليس مجرد ترديد لشعارات جوفاء، بل هو نداء ملح لخوض معركة شريفة تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الصفوف. عبر تبني رؤية ثاقبة وعملا دؤوبا لا يعرف التجزئة أو الانتقائية، ولا يقبل المساومة أو المماطلة.

فمتى تتجاوز بوصلتنا السطحية إلى عمق المشكلات وجذورها؟ وأين هي النخب المكناسية من معركة التنمية؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما هي السبل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف المنشود؟ وماذا قدمت نخب مكناس، من أكاديميين وفاعلين سياسيين واقتصاديين ومدنيين، في سبيل الدفع بعجلة التنمية في هذه المدينة العريقة؟

وماذا عن أولئك الذين يتشدقون بالغيرة على الوطن والمدينة، من مناضلين ومدونين وجمعيات مجتمع مدني؟ هل اضطلعت هذه المكونات بأدوارها المأمولة في المساهمة الفاعلة في تنمية مدينة مكناس، من خلال ترافع حقيقي يكرس الصلاحيات الدستورية الممنوحة لها؟ وهل كانت الصحافة في الموعد، وقامت بدورها الطلائعي كعين ساهرة على قضايا الوطن، بدل السعي وراء “البوز” والتركيز على نشر الفضائح و”الشوهة”؟

المثير للدهشة بل والمحزن حقا، أن الكثير من هذه المكونات، التي يُفترض فيها الوعي والإدراك التزمت الصمت والحياد السلبي، وتركت المدينة تعيش التهميش لسنوات طوال. وتجاهلت أدوارها وواجبها نحو المدينة، بل وتركت المجال فسيحا لفئة ممن يدعون الغيرة عليها، وهم في الحقيقة مناضلون مزيفون، وممن يحترفون الابتزاز السياسي، ومجموعة من السياسيين الشعبويين الذين تملّكهم الحماس الزائف واندفعوا بكاميرات هواتفهم وأقلامهم وصفحاتهم في العالم الأزرق، برؤية قاصرة في تناول قضية التنمية على مواضيع محددة: الإنارة، النظافة، التزفيت وتبليط الأرصفة والشوارع.

وحصروا مفهوم التنمية في هذا النطاق الضيق، متناسين أن التنمية الحقيقية أعمق بكثير من مجرد هذه الرؤية الضيقة . إنها استثمار في الإنسان، في بناء المواطن، لأن العنصر البشري هو عماد أي تقدم ورخاء حقيقي لأي مجتمع.

فاللافت للانتباه، وأنت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أن بوصلة الحديث عن التنمية او محاربة الفساد، والجرأة الكبيرة في تناولهما، تتجه بشكل أساسي نحو تدبير الشأن المحلي. هذه “الغيرة” المفاجئة المتزايدة على المدينة وحب المدينة تتجه لهذا الجانب فقط، وكأن ما ينقص مدينة مكناس وساكنتها هو مجرد مصباح LED يضيء زاوية شارع، أو تحسين جودة نظافة المحيط، أو تعبيد او تزفيت طريق او شارع.
لا شك أن هذه الأمور تعد من الضروريات الملحة، ولكنها ليست سوى قطرة في فيض الاحتياجات الأساسية التي تتجاوز بكثير هذه التفاصيل.

دعونا نتساءل بعمق وتجرد: هل فعلا هذه هي الاحتياجات الحقيقية للمواطن المكناسي التي تحتاج إلى التشمير عن السواعد وخوض حروب بالوكالة من أجلها، وإغراق مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات الحفر والظلام وغير ذلك من أوجه التقصير المتوارث للتدبير الجماعي لسنوات عديدة؟ هل هذا هو الترافع الحقيقي؟ وهل هذه هي التنمية المنشودة التي نصبو إليها؟

إن مدينة مكناس تحتاج إلى الكثير من عوامل التنمية الشاملة. هي في أمس الحاجة إلى برامج حكومية واقعية توفر لشبابها الحق في الشغل والعيش الكريم لتنتشلهم من مستنقع المخدرات وعالم الإجرام.

المواطن المكناسي يحتاج إلى تنمية واقعية تنقذه من براثن التهميش والإقصاء، وتقوي قدراته لمواجهة غلاء المعيشة والأسعار المتزايدة. يحتاج إلى جودة التعليم التي تفتح أمامه آفاق المستقبل، ويحتاج إلى مستشفيات عمومية توفر له رعاية صحية لائقة، وتجنب المرضى الوقوف في طوابير طويلة بمواعيد تفوق أشهر عديدة. يحتاج إلى بيئة ينعم فيها بالأمن والطمأنينة، ويحتاج إلى الحق في السكن اللائق. باختصار، يحتاج إلى جميع الحقوق التي يكفلها له الدستور المغربي.

هذا هو الدور الحقيقي الذي يجب أن تضطلع به النخب، وهذه هي الاحتياجات الأساسية التي يعتبرها المواطن المكناسي من الأولويات والضروريات، والتي من أجلها يجب أن نرتدي أحذيتنا الرياضية ونتجول في الشوارع والأحياء المهمشة للبحث عن أوجه تقصير المسؤولين عن السياسات العامة . وهذا هو الترافع الحقيقي والتنمية المنشودة التي نأملها لمدينتنا وسائر مدن ربوع وطننا الحبيب.

هنا يتضح الدور الحقيقي الذي يجب أن يضطلع به كل من: الدكتور الجامعي والمثقف والفاعل السياسي، الاقتصادي، الحقوقي والمدني. يتوجب عليهم الخروج من عزلة الأفكار البالية، والانخراط بفعالية في قضايا المجتمع الأساسية، عبر البحث المعمق، التحليل النقدي، وتقديم الحلول المبتكرة للتحديات التنموية. النخب السياسية يقع على عاتقها مسؤولية صياغة وتنفيذ سياسات عامة عادلة وشاملة، تراعي احتياجات المواطنين، وتحارب الفساد بكل أشكاله، وتضع التنمية البشرية على رأس أولوياتها، وليس فقط استغلال المدينة من أجل الظفر بمقعد في البرلمان او منصب في الجهة أو الوزارة.

وفي المقابل، على آلاف جمعيات المجتمع المدني أن تتحول من كيانات راكدة أو لاهثة فقط من أجل المنح، إلى قوى فاعلة ومحرك أساسي للتغيير، بدل سياسة التطبيل والتهليل، عبر الترافع بجرأة عن قضايا المواطنين، ومراقبة السياسات العمومية، والمساهمة في تنفيذ البرامج التنموية على أرض الواقع.

إن الاستثمار في العنصر البشري هو الأهم والأولى، وهو أساس أي تنمية حقيقية. مدينة مكناس تحتاج إلى مواطنين مستثمر فيهم، لكي تزدهر وتتطور. فالتنمية مسؤولية جميع مكونات المجتمع: مواطنين، فاعلين مدنيين أو سياسيين، منتخبين وسلطات عمومية.
فمتى سنُعيد توجيه بوصلتنا نحو الأهداف الحقيقية، ونتجاوز السطحية إلى عمق المشكلات وجذورها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *