فضيحة الدبلومات الفلكية.. جامعات تتحول إلى دكاكين لبيع الماستر والدكتوراه تحت الطلب

طفت على السطح مجددًا واحدة من أخطر الفضائح التي تمس مصداقية منظومة التعليم العالي بالمغرب، وذلك بعد الكشف عن استغلال أستاذ جامعي لمنصبه الأكاديمي في الاتجار بشهادات الماستر والدكتوراه مقابل مبالغ مالية خيالية، حولت الجامعة إلى فضاء مشبوه يتم فيه توزيع الشهادات بناء على القدرة المالية لا على الكفاءة والاستحقاق العلمي.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن القضية التي تفجرت في جامعة ابن زهر لا تقف عند حدود هذه المؤسسة، بل بدأت ارتداداتها تتسرب إلى مؤسسات أخرى، بعدما تبيّن أن عددًا من الشخصيات المعروفة في مجالات السياسة والإدارة تمكنت من الحصول على مؤهلات علمية مشكوك فيها، أصبحت محل تدقيق وتساؤل بشأن المسارات التي سلكتها للحصول على هذه الشهادات الجامعية العليا، خاصة في الماستر والدكتوراه.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن التحقيقات الجارية مع ستة أشخاص على صلة مباشرة بهذا الملف، قد تميط اللثام عن معطيات صادمة، من شأنها كشف شبكة منظمة ظلت لسنوات تمارس التزوير والاتجار في الشواهد العلمية، في تحدٍّ سافر للقوانين والمساطر البيداغوجية المعتمدة. ومن بين المعطيات التي توصل بها المحققون أن زوجة الأستاذ الجامعي المعتقل حصلت بدورها على شهادة مشكوك فيها مكّنتها من ولوج مهنة المحاماة بصفتها متمرنة، وهو ما يؤكد فرضية وجود شبكة ذات امتداد واسع تورطت في التزوير واستغلال النفوذ.
الأخطر في الملف، وفق ذات المصادر، أن عملية بيع الشهادات الجامعية كانت تتم تحت الطلب، واستمرت لسنوات داخل الجامعة رغم تفجر فضائح مماثلة في مؤسسات جامعية أخرى، والتي كانت من المفروض أن تشكل رادعًا حقيقيًا لهذه الممارسات التي تسيء لسمعة الجامعة المغربية ومصداقية التكوين العالي. كما أن العملية لم تقتصر على الشهادات، بل امتدت إلى التلاعب بالنقط وتفصيل المسالك الجامعية على مقاس الزبناء.
وفي هذا السياق، كانت إحدى الجمعيات الوطنية قد وجهت شكاية إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بأكادير، تتهم فيها عددا من الموظفين العموميين بالجامعة بتكوين عصابة إجرامية لإصدار شهادات جامعية مزورة، من خلال التزوير في سجلات ومحاضر رسمية، واستعمالها، واستغلال النفوذ، والمشاركة في الاحتيال، وتبديد المال العام بسوء نية.
وأوضحت الشكاية المدعومة بوثائق ومستندات، أن الأمر يتعلق بمنح شواهد للماستر والماستر المتخصص من طرف موظفين بالجامعة دون احترام المساطر والضوابط البيداغوجية، بل وتم منح بعض الشهادات بعد سنة واحدة فقط من الدراسة، في إطار ما يسمى بالتكوين المستمر، وهي شهادات تحمل توقيع مسؤولين إداريين بالجامعة، في خرق واضح للقانون 01.00 المنظم للتعليم العالي، وتحديدًا المادتين 8 و16، إضافة إلى مقتضيات الدفتر الوطني للضوابط البيداغوجية.
كما تشير نفس الشكاية إلى أن عدد الشهادات المزورة قد يفوق العشرات، وتم توقيعها خلال سنتي 2011 و2012، بتواطؤ بين عمداء كليات، ورؤساء سابقين للجامعة، وعدد من الأساتذة والموظفين، واستفاد منها الحاصلون عليها في التوظيف، والترقي الإداري، بل وحتى في متابعة دراسات الدكتوراه، مستغلين الغطاء الرسمي الذي كانت تمنحه هذه الشهادات المزورة.
هذه القضية التي تتفاعل يومًا بعد آخر، تطرح إشكاليات عميقة حول نزاهة المنظومة الجامعية، وقدرتها على حماية نفسها من مظاهر الفساد الداخلي، كما تعري هشاشة آليات الرقابة والمحاسبة في المؤسسات التعليمية، وتدق ناقوس الخطر بشأن انهيار قيم الاستحقاق والجدارة، لصالح ثقافة الريع العلمي والزبونية الأكاديمية.
إن الأمر لم يعد مجرد تجاوزات معزولة، بل بات يشكل تهديدًا مباشرًا لهيبة الجامعة وصدقية البحث العلمي، ويستدعي تحركًا عاجلًا من الجهات الرقابية والقضائية لإعادة الاعتبار للمؤسسة الجامعية، وتوقيف هذا النزيف الذي يسيء لمستقبل الأجيال، ويسيء للمغرب في محافله الدولية. فتحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين بات أولوية وطنية لإنقاذ ما تبقى من صورة الجامعة المغربية، التي كانت يومًا ما مفخرة لطلبتها ونخبتها.