البيجيدي يفضح قانون المسطرة الجنائية.. تقنين للصمت وتضييق ممنهج على مطاردة الفساد

في موقف حازم، أعرب حزب العدالة والتنمية عن رفضه الشديد لبعض المقتضيات والتعديلات المدرجة ضمن مشروع قانون المسطرة الجنائية، معتبراً إياها مخالفة لمبادئ العدالة ومهددة للجهود الوطنية في محاربة الفساد، فضلاً عن آثارها السلبية المرتقبة على الحياة الحقوقية والمدنية بالمغرب.

البرلمانية ربيعة بوجا، عن المجموعة النيابية للحزب بمجلس النواب، وجهت انتقادات لاذعة للمادة الثالثة من المشروع، ووصفتها بأنها تضييق صريح على الجمعيات المتخصصة في مكافحة الفساد، من خلال منعها من تقديم شكاوى بشأن شبهات تتعلق بالمال العام والرشوة، وهو ما اعتبرته ضرباً لمبدأ إشراك المجتمع المدني في تخليق الحياة العامة.

وأضافت بوجا أن المادة تقيد بشدة إمكانية فتح التحقيقات في ملفات الفساد، حيث تحصر ذلك في حالات معينة، أبرزها الطلب المقدم من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات، أو بتقارير صادرة عن المفتشية العامة للمالية أو الإدارة الترابية أو المفتشيات العامة للوزارات، أو بإحالة من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة. واعتبرت البرلمانية أن هذا القيد يكرس البيروقراطية ويغلق الباب أمام التفاعل الفوري مع قضايا الفساد التي قد تثيرها فعاليات المجتمع المدني.

وتوقفت بوجا عند تعديل آخر مثير للجدل في نفس المادة، والمتعلق بإمكانية تدخل النيابة العامة تلقائياً في حال وجود حالة تلبس بالجرائم المالية، متسائلة عن كيفية إثبات “التلبس” في جرائم من طبيعة معقدة كاختلاس المال العام أو استغلال النفوذ، وهي جرائم لا تتم أمام الملأ كي توصف بـ”التلبس” بالمفهوم الجنائي الدقيق.

وفي السياق ذاته، نبهت البرلمانية إلى أن اشتراط صفة المنفعة العامة للجمعيات الراغبة في تقديم شكاوى، إلى جانب ضرورة توفرها على إذن مسبق من وزارة العدل، وتمتعها بأربع سنوات من التأسيس قبل ارتكاب الفعل الإجرامي، هو تضييق غير مبرر يحرم فئة واسعة من الجمعيات النشيطة من حقها المشروع في التبليغ عن الفساد. وذهبت أبعد من ذلك، حين اعتبرت أن هذه القيود تبقى معلقة التنفيذ إلى حين صدور نص تنظيمي مبهم من حيث الجدولة الزمنية وحتى الجهة المكلفة بإصداره، ما يجعل تفعيل الحق في التقاضي رهين إرادة إدارية قابلة للتأجيل إلى أجل غير مسمى.

كما حذرت بوجا من خطورة التعديلات المقترحة التي توسع من صلاحيات النيابة العامة وتضعف قضاء التحقيق، ما يشكل، برأيها، مساساً بتوازن السلطة القضائية وقد يخل بضمانات المحاكمة العادلة.

وما أثار قلق البرلمانية أيضاً، هو ما وصفته بـ”استباحة خصوصيات المواطنين”، من خلال منح ضباط الشرطة، بإذن من النيابة العامة، صلاحيات واسعة تشمل التنصت على المكالمات، ومراقبة التواصل عبر مختلف الوسائط، وإجراء تحاليل وخبرات جينية وبيولوجية تمس بأدق تفاصيل الحياة الشخصية. وطرحت تساؤلات حارقة حول مصير هذه المعطيات، وسبل حفظها أو إتلافها، والجهة المسؤولة عن ذلك، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالاختراقات السيبرانية، وهو ما يجعل تخوفات المواطنين مشروعة، بل ومضاعفة في ظل هشاشة الحماية القانونية للمعطيات الشخصية.

مداخلات برلمانية من هذا النوع تعكس قلقاً متزايداً من مآلات مشروع قانون المسطرة الجنائية، وتعيد فتح النقاش حول التوازن الدقيق بين تعزيز أدوات البحث الجنائي، وحماية الحقوق والحريات في دولة القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *