حرية التعبير بين مطرقة الفوضى وسندان التضييق.. مشروع تقنين الفضاء الرقمي يثير الجدل

في ظل تزايد المتابعات القضائية التي تطال نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية تدويناتهم أو تعبيرهم عن مواقفهم وآرائهم، وفي خضم الجدل المتصاعد حول حدود حرية التعبير، ومتى تتحول من حق دستوري إلى تهديد محتمل للاستقرار أو الأخلاق العامة، عاد النقاش حول ضرورة تقنين الفضاء الرقمي إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي بالمغرب.
الحكومة، وعلى لسان وزير الشباب والثقافة والاتصال المهدي بنسعيد، أعلنت اليوم الأربعاء أنها بصدد الاشتغال على إطار قانوني جديد ينظم المجال الرقمي. جاء ذلك خلال اجتماع للجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، خُصص لموضوع حرية التعبير والإعلام، حيث أكد الوزير أن الفضاء الرقمي بات اليوم مجالاً فوضوياً، تتقاطع فيه حرية التعبير مع العديد من المخاطر، خاصة تلك التي تمس الأطفال والشباب، أو تلك التي تروّج للعنف والتطرف ونشر الكراهية.
وأكد بنسعيد أن هذا القانون المنتظر لا يستهدف حرية التعبير، وإنما يسعى إلى ضبط هذا الفضاء وضمان توازنه، من خلال تحديد المسؤوليات وتوفير أدوات قانونية واضحة لمواجهة الممارسات السلبية، دون المساس بحق الأفراد في التعبير عن مواقفهم وآرائهم.
وحسب المعطيات التي قدمها الوزير، فإن المشروع المرتقب سيُخضع المنصات الرقمية لمجموعة من الالتزامات القانونية، ويُعطي تعريفاً دقيقاً لما يسمى بـ”المنصات الرقمية” أو “منصات مشاركة المحتوى”، كما سيفرض عليها واجب التعاون مع السلطات المختصة، ووضع آليات فعالة لتعديل المحتويات المنشورة على خدماتها، حمايةً للقاصرين، ومحاربةً للأخبار الزائفة، والمضامين غير القانونية، إضافة إلى مراقبة أنشطتها من الناحية المالية.
وأشار بنسعيد إلى أن المشروع سيعمل على توسيع صلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا)، بما يمكّنها من مراقبة المحتوى الرقمي وضبطه، وفق منظور يجمع بين احترام حرية التعبير وحماية الجمهور، وتحقيق العدالة الرقمية، كما سيعتمد على التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، من أجل ضمان فعالية التقنين واحترام الحريات.
لكن رغم تطمينات الوزير، فإن مخاوف عدد من البرلمانيين، خصوصاً من المعارضة، لم تهدأ. فقد عبّرت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عن قلقها من أن يكون هذا المشروع خطوة نحو تقليص مكتسبات المغرب في مجال حرية التعبير، وليس تعزيزها. وأكدت المجموعة أن المواطنين اليوم يلجؤون إلى منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائهم، لأن الفضاءات الواقعية والإعلام العمومي لا تتيح لهم ذلك.
ووصفت المجموعة توجه الحكومة نحو هذا التقنين بـ”المقلق”، مشيرة إلى أن الفوضى الموجودة على منصات التواصل لا يمكن أن تكون مبرراً لتضييق الخناق على النشطاء السياسيين وأصحاب الآراء المعارضة. بل اعتبرت أن بعض الوزراء في الحكومة يبعثون برسائل سلبية من خلال تسريعهم نحو سن قوانين تُجرم حتى مجرد انتقاد أداء مسؤول حكومي أو مؤسسة عمومية.
ودعت إلى التعاطي مع موضوع تقنين الفضاء الرقمي بمنظور إيجابي، لا زجري، يهدف إلى تعزيز قيمة “الحرية المسؤولة” وتحصينها من الانتهاك، بدل تقييدها أو الإجهاز عليها. كما طالبت بفتح نقاش وطني شامل، يشارك فيه مختلف أطياف المجتمع، من جمعيات، ونقابات، وأحزاب، ومهنيي الإعلام، ومؤسسات حماية الحقوق، من أجل بلورة رؤية جماعية تحترم التعدد وتضمن الحريات وتحمي في الوقت ذاته المجتمع من المخاطر المتصلة بسوء استخدام الفضاء الرقمي.
المجموعة البرلمانية للعدالة والتنمية أقرت بدورها بأن هناك حالة من الفوضى والتهور على منصات التواصل، من خلال السب والقذف والتشهير، إلا أنها شددت في المقابل على ضرورة عدم خلط الأوراق، وعدم اتخاذ هذه الانزلاقات ذريعة لضرب حرية التعبير وتكميم الأفواه المنتقدة.
إن واقع الحال اليوم يُظهر أن المغرب يوجد أمام مفترق طرق رقمي: فإما أن يتجه نحو تنظيم هذا الفضاء بشكل عادل ومتوازن، يحفظ للمواطنين حقهم في التعبير ويصون الكرامة والحقوق، أو أن ينزلق إلى منطق الرقابة والتجريم، مما قد يضعف منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع، ويقوّي منسوب التوتر في بيئة هي أصلاً حبلى بالاحتقان الاجتماعي والسياسي.
وبين منطق التنظيم ومنطق الزجر، تظل حرية التعبير هي العنوان الأبرز لهذا الجدل، وهي التي تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى حماية ذكية توازن بين الحق والمسؤولية، بين الانفتاح والانضباط، وبين التنوع والوحدة، بما يخدم الديمقراطية ويصون كرامة المواطن.