نفق جبل طارق.. مشروع القرن بين تقليص الميزانية وتحديات الأعماق

في خطوة مفاجئة قد تحمل دلالات متعددة، خفّضت وزارة النقل الإسبانية، بقيادة أوسكار بوينتي، الميزانية المخصصة لدراسات مشروع الربط القاري بين أوروبا وإفريقيا عبر نفق بحري تحت مضيق جبل طارق، من 2.4 ملايين يورو إلى 1.6 ملايين يورو، أي ما يعادل نحو 16 مليون درهم مغربي. هذا التخفيض جاء نتيجة مراجعة المهام التقنية الموكلة إلى شركة “إينيكو”، التي أوكلت إليها مهمة إعداد دراسة جدوى شاملة لهذا المشروع الهندسي الطموح.
المصادر الإعلامية الإسبانية أرجعت تقليص الميزانية إلى إلغاء فكرة النفق الاستكشافي والتقليل من الاعتماد على مسارات بديلة، ما قلّص من كلفة الدراسة. وستشمل الدراسة تحليلًا مادياً ووظيفياً ومالياً دقيقاً، إلى جانب تقييم إمكانيات الحفر تحت قاع البحر، وتحليل توقعات الطلب على تنقل البضائع والمسافرين، ضمن منظور اقتصادي يأخذ بعين الاعتبار كلفة استثمار قد تصل إلى مليارات اليوروهات.
يُعد النفق البحري بين المغرب وإسبانيا من أكثر المشاريع الهندسية جرأة في العصر الحديث، بطول إجمالي يصل إلى 38.5 كيلومتر، منها 27.7 كيلومتراً تحت الماء. ويندرج المشروع ضمن برنامج التعافي والتحول والمرونة الممول من الاتحاد الأوروبي في إطار خطة NextGenerationEU، ما يضيف إلى رمزيته بُعداً اقتصادياً استراتيجياً على مستوى القارة.
وبعد أكثر من أربعة عقود على توقيع الاتفاق الثنائي بين المغرب وإسبانيا عام 1980، الذي أدى إلى تأسيس شركتين وطنيتين مكلفتين بالدراسات التقنية، أُعيد تنشيط هذا المشروع في سياق التحولات الجيوسياسية الإيجابية بين الرباط ومدريد، وخصوصاً بعد الزيارة الرسمية لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى المغرب في أبريل 2022، وما تلاها من وصف المشروع بـ”الاستراتيجي” من طرف وزيرة النقل السابقة راكيل سانشيز.
الدراسة الحالية تأخذ بعين الاعتبار نقطتي انطلاق محتملتين في الضفة الإسبانية، هما ميناء الجزيرة الخضراء، الذي يتمتع بأهمية تجارية كبيرة، ومدينة طريفة، الواقعة في أقصى جنوب أوروبا، على أن يتجه النفق في الجانب المغربي نحو منطقة قريبة من مدينة طنجة، التي أصبحت مركزاً لوجيستياً صاعداً في إفريقيا.
لكن ما يجعل المشروع أكثر تعقيداً هو الطبيعة الجيولوجية المعقدة لقاع البحر، وخصوصاً عند منطقة “عتبة كامارينال”، حيث يتم حالياً التعاون مع الشركة الألمانية “Herrenknecht”، المتخصصة عالمياً في حفر الأنفاق، لتحديد الجدوى التقنية من استخدام آلات TBM العملاقة، وذلك في أفق تقديم تقرير مفصل بحلول يونيو 2025.
ولتعزيز الموثوقية الزلزالية للمشروع، أطلقت الحكومة الإسبانية في نونبر 2024 عملية كراء أربع محطات متخصصة برصد الزلازل بكلفة تفوق 480 ألف يورو، وأسندت هذه المهمة لشركة “Tekpam Ingeniería”، ما يعكس الجدية الكبيرة في دراسة كل المخاطر المرتبطة بتنفيذ أشغال الحفر في منطقة نشطة زلزالياً.
الأهمية الاقتصادية للنفق لا تقف عند ربط قارتين فحسب، بل تمتد إلى تعزيز الممر الأورومتوسطي، وإرساء جسر مادي ومعنوي بين شمال إفريقيا وأوروبا، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام التجارة، وسلاسل التوريد، والتنقل البشري، في سياق التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة.
ورغم هذا الزخم التقني والسياسي، يظل المشروع محفوفاً بتحديات حقيقية، بدءاً من صعوبة التضاريس، وعمق المضيق، ومروراً بالكلفة العالية، وصولاً إلى ضرورة توفير تمويلات كبرى وضمانات جيولوجية دقيقة. غير أن مشروع مونديال 2030 الذي فازت به بشكل مشترك كل من المغرب وإسبانيا والبرتغال، أعاد تسليط الضوء بقوة على هذا الربط القاري، باعتباره أحد أبرز الرهانات الكبرى لتعزيز التكامل الإقليمي وتكريس الدور الجيوسياسي للمغرب في قلب التحولات المتوسطية.