فضيحة القطيع تُطوّق عنق أخنوش.. الملك يتدخل لسحب ملف الدعم من وزارة الفلاحة

حمل الاجتماع الوزاري الأخير مفاجأة غير سارة لوزير الفلاحة، ومن خلاله لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، بعد أن أصدر الملك محمد السادس تعليمات واضحة وصارمة بضرورة إنجاح عملية إعادة تكوين القطيع الوطني على كافة المستويات، مع التأكيد على المهنية والموضوعية في هذه العملية، وإسناد مهمة تدبير الدعم إلى لجان تابعة للسلطات المحلية، ما اعتُبر رسالة مباشرة بضعف أداء وزارة الفلاحة وعدم أهليتها للإشراف على هذه العملية الحيوية.
الدعم الموجه إلى استيراد الأغنام والأبقار كان قد أثار جدلاً سياسياً واسعاً خلال الأشهر الماضية، خاصة مع فشل الحكومة في تحقيق الغاية من هذا الدعم، المتمثلة في خفض أسعار اللحوم وإعادة الحيوية للقطيع الوطني استعداداً لعيد الأضحى. هذا الفشل لم يؤدِ فقط إلى استمرار الغلاء، بل انتهى إلى قرار غير مسبوق بإلغاء شعيرة الذبح لهذه السنة استناداً إلى دعوة ملكية، وهو ما زاد من حدة الانتقادات لأداء الحكومة ووزارة الفلاحة.
التعليمات الملكية تضمّنت بشكل غير مباشر تقريعاً واضحاً لوزارة الفلاحة، التي يشرف عليها حزب التجمع الوطني للأحرار منذ أكثر من 17 سنة. الملك شدد على ضرورة احترام “المهنية والمعايير الموضوعية” في إعادة تكوين القطيع، في وقت وُجهت فيه للحكومة اتهامات باللجوء إلى حلول ترقيعية، أبرزها فتح باب الاستيراد بشكل غير مضبوط، وهو ما استفاد منه بعض المقربين من الحزب، وفق ما راج من معطيات، لتُطرح بذلك شبهات حول تبديد 13 مليار درهم خُصصت كدعم لاستيراد المواشي، بينما تجاوز سعر الكيلوغرام من اللحوم سقف 120 درهماً، في تناقض صارخ مع الأهداف المعلنة.
قرار سحب مهمة تتبع الدعم من وزارة الفلاحة وإسنادها لوزارة الداخلية، لم يكن معزولاً عن هذا السياق، بل جاء نتيجة مباشرة لصمت الحكومة عن تقارير صادرة من منظمات مدنية. أبرز هذه التقارير كان من “المركز المغربي للمواطنة”، والذي حمّل الحكومة مسؤولية فشل عملية الدعم وارتفاع الأسعار، متهماً إياها بـ”الكذب” ومطالباً بفتح تحقيق سياسي في الأرقام التي تم الإعلان عنها لتبرير فشل تدبير عيد الأضحى.
تقرير المركز أوضح أن ارتفاع الأسعار يعود إلى نقص حاد في العرض، مشككاً في الأرقام والتبريرات التي قدمتها الوزارة، ومعتبراً أن الاستيراد لم يُحدث التأثير المنتظر في السوق، إذ تم توجيه جزء من الأغنام المستوردة لأغراض تجارية محدودة، خصوصاً من طرف الجزارين، وهو ما يفتح الباب أمام مساءلة الوزارة عن دورها في مراقبة وتتبع توزيع الدعم والقطعان المستوردة.
كما دعا التقرير إلى ضرورة تفعيل اللجنة البرلمانية الخاصة بتقييم حصيلة مخطط “المغرب الأخضر”، بهدف رصد الإنجازات وتعزيزها، وكشف مواطن الفشل لمعالجتها، في ظل استمرار اختلالات هيكلية تهدد الأمن الغذائي الوطني.
ومن أبرز النقاط التي أثارها التقرير كذلك، ارتفاع رسوم الجمارك على الأضاحي، مما زاد من أعباء التجار والمواطنين على حد سواء، وأسهم بشكل مباشر في تفاقم الغلاء. كما نبّه إلى أن الوضع الحالي أدى إلى استهلاك جزء من القطيع الوطني، خصوصاً النعاج والخرفان المعدة للمواسم المقبلة، مما قد ينعكس سلباً على أسعار اللحوم في الشهور القادمة، في ظل غياب ما يسمى بـ”الراحة البيولوجية” للقطيع.
في سياق متصل، وجّه رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة، دعا فيه إلى فتح تحقيق بشأن الشراكة التي تجمع الوزارة بالجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، والتي تحوم حولها شبهات تضخيم أعداد القطيع من بعض السلالات بغرض الاستفادة من الدعم المالي العمومي.
حموني اعتبر أن الجمعية تقوم بمهام تدخل ضمن اختصاصات مؤسسات الدولة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التفويض، ومدى احترامه للمساطر القانونية والإدارية، خاصة وأن هذه الجمعية لها عقود برامج وشراكات مالية مع الوزارة. كما أشار إلى شكاوى عديدة توصل بها من مربي ماشية لم يتوصلوا بالدعم المستحق، داعياً إلى الكشف عن أسباب هذا التأخير، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن أي خروقات أو تلاعبات.
بهذا المشهد، يتأكد أن أزمة اللحوم في المغرب ليست ظرفية أو موسمية، بل هي نتاج تراكمات في التدبير، وفشل واضح في التخطيط، وغياب آليات المراقبة والشفافية. والرسالة الملكية، في هذا السياق، قد تشكّل نقطة تحول في التعاطي مع ملف الأمن الغذائي، بعدما فَقَدت الحكومة الثقة وبدّدت موارد ضخمة دون نتائج ملموسة.