حزب الأحرار بمكناس.. حين يرفع المتسبب في الأزمة شعار المصالحة

في مشهد سياسي لا يخلو من التناقض، خرج المنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمكناس، بنداء مفتوح يدعو فيه إلى “المصالحة” و”وضع مصلحة المدينة فوق كل اعتبار”، ناسجًا خطابًا يوحي وكأن مكناس مدينة سقطت ضحية لصراعات لا يعرف مصدرها، بينما الحقيقة، التي لا تخطئها ذاكرة المكناسيين، أن حزبه كان ولا يزال جزءًا من أصل الأزمة، إن لم يكن مهندسها الأول.
فالمتابع لتطورات المشهد السياسي بمكناس منذ انتخابات 8 شتنبر 2021، يعرف أن الانحدار بدأ يوم قرر حزب الأحرار، بتوجيه من رئيسه عزيز أخنوش جاء جواد باحجي، المدير السابق للوكالة الوطنية للاستشارة الفلاحية، والمدير الحالي للوكالة الوطنية للتنمية الفلاحية، على رأس لائحة الحزب. والأكثر من ذلك، فقد جرى تسويق باحجي كرئيس محتمل القادر على اخراج المدينة من النفق المسدود، في استعراض مفضوح لنفوذ الحزب وارتباطه بالمركز.
ما حدث بعد ذلك كان متوقعاً وكانت النتيجة ولادة مجلس جماعي بأغلبية هشة جمعتها الحسابات وليس البرامج، سرعان ما تفككت لتدخل مكناس في نفق “بلوكاج” سياسي أطاح بجميع المشاريع التنموية، وعطّل مصالح الساكنة، وحوّل الجماعة إلى مؤسسة فارغة من الفعل والإرادة.
لم تفلح لا مبادرات السلطة المحلية، ولا نداءات المجتمع المدني، ولا حتى رسائل المواطنين لرئيس الحكومة، في إعادة التوازن، لأن الرهان داخل “الأحرار” حينها لم يكن على المدينة، بل على استمرار سيطرة الحزب على رئاسة المجلس، ولو على حساب التنمية.
وحين استقال جواد باحجي، بعد توقيع الأغلبية على قرار عزله، جرى انتخاب عباس الومغاري رئيساً جديداً عن حزب الاتحاد الدستوري، في خطوة اعتُبرت نهاية لحالة الجمود وبداية لانفراج سياسي كانت المدينة في أمسّ الحاجة إليه. غير أن المفاجأة جاءت من قيادات التجمع الوطني للأحرار، التي سارعت إلى رفع دعاوى قضائية تطالب بتجريد نواب الرئيس – وجميعهم من المنتمين لصفوفها – فقط لأنهم صوّتوا لصالح مرشح مخالف خلال انتخاب الرئيس.
فهل يعقل أن يُطلق منسق الحزب بعد كل هذا المخاض الطويل نداءً للوحدة والمصالحة، في الوقت الذي يجرّ فيه مناضليه نحو المحاكم؟ وهل يمكن لمن ساهم في تقويض تماسك الحزب، وأضعف حضور مستشاريه، وعمّق الشرخ داخل المجلس الجماعي، أن يتحدث اليوم عن “العدالة المجالية” و”روح المسؤولية”؟
إن التنازل عن تلك الدعاوى القضائية، وطي صفحة الانتقام السياسي، هي الخطوة الأولى – والوحيدة – التي يمكن أن تمنح بعض المصداقية لخطاب الطاهري. أما أن يتحول من كان أحد أبرز المتسببين في الأزمة، إلى خطيب يتلو مواعظ في “حب المدينة” و”واجب الترافع”، فتلك مفارقة لا يمكن أن تمرّ دون مساءلة.
مكناس، التي ضاعت سنوات من عمرها في صراعات عبثية، لا تحتاج إلى لغة منمقة، بل إلى مواقف واضحة، وإرادة حقيقية لوقف منطق التحكم الحزبي في شؤونها. أما الخطابات، فقد شبع منها الرأي العام المكناسي حد التخمة.