بلاغ الأحرار بمكناس.. حين يتحول الإفلاس السياسي إلى خطاب استغباء للرأي العام

في خطوة تبدو للوهلة الأولى أنها محاولة لتوضيح موقف سياسي، أصدرت اتحادية التجمع الوطني للأحرار بعمالة مكناس بلاغاً للرأي العام بتاريخ 11 ماي الجاري. غير أن فحوى البلاغ سرعان ما انقلب على أصحابه، كاشفاً حجم التناقض والافتراء السياسي الممنهج، ومستوى استغباء الرأي العام المحلي، الذي تابع تفاصيل المشهد المكناسي لحظة بلحظة. وبالتالي، لا يمكن خداعه بشعارات فضفاضة وأقوال مموهة.
البلاغ تحدث عمّا وصفه بتضحية الحزب “بفخر” بالتخلي عن رئاسة جماعة مكناس من أجل المصلحة العامة، في حين أن الحقيقة، كما يعلمها الجميع، هو أن حزب الأحرار لم يتنازل طواعية عن الرئاسة، بل خسرها بعد سلسلة من المناورات الفاشلة، التي قادتها القيادة المحلية بهدف الإطاحة بالرئيس السابق جواد باحجي، المنتمي لنفس الحزب. وهي الإطاحة التي تمت بإيعاز من القيادات المحلية، رغم إلحاح القيادة المركزية وعلى رأسها عزيز أخنوش على استمرار باحجي في منصبه حفاظاً على وحدة الحزب وتماسكه داخل المدينة، وحفاظاً أيضاً على رئاسة الجماعة.
غير أنه وباستقالة باحجي تحت الضغط، دخلت المدينة في حالة من الفراغ والارتباك، ما عطل دواليب الجماعة وشل دينامية التنمية، قبل أن تتلقى القيادة المحلية للأحرار صفعة سياسية مدوية حين عجزت عن فرض رئيس بديل من داخل الحزب، ووجدت نفسها على هامش التسيير بعدما أوهمت رئيسها عزيز أخنوش بأنها ممسكة بزمام الأمور، وأن رئاسة الجماعة ستظل في “حجر الحزب” حتى بعد مغادرة باحجي.
وعوض الاعتراف بالفشل، اختار قادة الحزب عبر بلاغهم قلب الحقائق والاصطفاف في المعارضة على أنه “اختيار نبيل” في سبيل المدينة، وكأن المكناسيين لا ذاكرة لهم.
البلاغ، الذي نُشر بشكل غير رسمي من طرف مناضلين وشبيبة الحزب دون توقيع واضح أو ختم رسمي، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الجهة التي تقف خلفه وطبيعة الرسالة المراد تمريرها في هذا التوقيت بالذات. فأن يصدر حزب سياسي بلاغاً بهذه النبرة دون أن يجرؤ على توقيعه، فهذا وحده كافٍ لتقييم مستوى الارتباك الذي يعيشه التنظيم محلياً.
والأدهى من ذلك، أن الحزب الذي يتحدث اليوم عن المعارضة البناءة، يسير في اتجاه نقيض تماماً، عبر محاولات واضحة لنسف تجربة المجلس الحالي، من خلال تجريد نائبين للرئيس وكاتب المجلس، وهي خطوة لا يمكن تفسيرها إلا كرغبة في عرقلة السير العادي للمؤسسة وتسميم مناخ الاشتغال الجماعي. فهل المعارضة تعني إسقاط المكونات الفاعلة في التسيير ومحاصرة المشاريع والتشويش على المبادرات؟
المفارقة أن البلاغ ذاته يشيد بالمجهودات التنموية داخل المدينة، ويمتدح عامل العمالة ونجاحات المعرض الفلاحي، بينما في الوقت نفسه ينخرط في سلوك سياسي يهدف إلى نسف هذه الدينامية من داخل المجلس. هو خطاب مزدوج إذن لا يصدقه إلا من اختار طواعية أن يغمض عينيه.
إن ما يجري اليوم بمكناس ليس سوى نتيجة طبيعية لمسلسل طويل من التناقضات السياسية داخل حزب الأحرار، الذي فشل في بناء موقع قوي في المعارضة، كما فشل قبل ذلك في الحفاظ على موقعه في التسيير. وبالتالي حين يعجز الفاعل السياسي عن النقد الذاتي والاعتراف بمسؤوليته، لا يجد غير البلاغات الشعبوية لتجميل صورته وتضليل الرأي العام.
وما لا يريد أن يستوعبه قياديو الأحرار أن مكناس ليست مدينة بلا ذاكرة، والمكناسيون ليسوا جمهوراً ساذجاً. فقد تابعوا كل صغيرة وكبيرة، ويعلمون جيداً من خان من، ومن سعى لمصلحته الخاصة تحت شعار المصلحة العامة.