فؤاد السعدي يكتب: مهرجان مكناس للدراما التلفزية.. أربع عشرة دورة بلا بوصلة ولا تطوّر

انطلقت فعاليات الدورة الرابعة عشرة من مهرجان مكناس للدراما التلفزية، الذي تنظمه جمعية “العرض الحر”، وسط أجواء باهتة وتنظيم روتيني لا يختلف في شيء عن الدورات السابقة، ما يؤكد مرة أخرى أن هذه التظاهرة الفنية لم تعرف طريقها إلى التطور منذ انطلاقتها.

ففي الوقت الذي يُفترض أن يشكل الرقم 14 محطة نضج واستقرار لأي مهرجان يحترم نفسه وجمهوره، لا تزال هذه التظاهرة للأسف تفتقر إلى مقومات التنظيم المحترف، سواء من حيث الرؤية الفنية أو جودة المحتوى أو مستوى الإخراج العام. وكأن الزمن متوقف عند لحظة التأسيس، دون مراجعة أو تقييم أو طموح في التطوير.

اللافت أيضا أن هذا الجمود المستمر لا يعكس حجم الدعم المالي الذي يتلقاه المهرجان من عدة مؤسسات عمومية، في مقدمتها وزارة الثقافة ومجلس جهة فاس مكناس، وجماعة مكناس، وجماعة المشور الستينية. دعم سخي يُفترض أن يُترجم إلى جودة تنظيمية ومضامين فنية تليق بمدينة لها ما يكفي من الرمزية والتاريخ الثقافي.

لكن ما يحدث فعلياً هو العكس تماماً حيث ظل المهرجان متواضعا سواء من حيث الشكل أو المضمون، يتم من خلاله استقبال الضيوف في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الاحترافية، وتُبرمج فعالياته في أماكن محدودة، وبإيقاع رتيب لا يرقى لطموحات ساكنة مكناس ولا لمستوى الفنانين المغاربة الذين يتم استدعاؤهم، وكأن المهرجان يُنظم فقط لملء خانة في الأجندة السنوية.

صحيح أن الرأي العام المحلي يدرك تماما أن القائمين على هذا المهرجان جعلوا منه واجهة تمنحهم موضع قدم في الوسط الفني، وسبيلاً لبناء علاقات شخصية قد تفتح أمامهم بعض الأبواب للضهور على القنوات التلفزية ولو لبضع دقائق، لكن حتى هذا الطموح الشخصي، على محدوديته، لا يُعفيهم من مسؤولية تقديم مهرجان يليق بمدينة مكناس ويُحافظ على الحد الأدنى من الجودة والتميز الذي يصون ماء وجه المدينة أمام ضيوفها.

ففي غياب رؤية واضحة للتطوير، تتكرر نفس الأسئلة كل سنة، أين تُصرف الميزانيات المرصودة؟ لماذا لا نرى أثراً ملموساً لهذا الدعم في جودة التظاهرة؟ ولماذا تصر الجهة المنظمة على تقديم مهرجان بطابع الهواية، رغم كل الإمكانيات الموضوعة رهن إشارتها؟

الأكثر من ذلك، أن هذا المهرجان، رغم مرور أربعة عشر دورة، لم ينجح في ترسيخ نفسه كموعد وطني أو كفضاء للنقاش حول واقع الدراما المغربية وتحدياتها. فلا ورشات ذات جدوى، ولا نقاشات حقيقية، ولا إشعاع إعلامي وطني أو دولي. خلاصة القول، مهرجان بملامح محلية باهتة، مغلقة على نفسها، لا تنفتح على المدينة ولا على محيطها الفني والثقافي.

ويبدو أن جمعية العرض الحر، التي تقف خلف هذا المهرجان منذ سنوات، لم تستوعب بعد أن تنظيم تظاهرة فنية في مدينة مثل مكناس ليس مجرد مناسبة لالتقاط الصور وتوزيع الابتسامات، بل مسؤولية ثقافية حقيقية تستدعي جهداً، وإبداعاً، واحتراماً لذوق الجمهور واسم المدينة. وبالتالي فما يُقدَّم كل سنة لا يوحي بأي وعي بهذه المسؤولية، وكأن الغاية تنحصر في الحضور الشكلي والإبقاء على اسم الجمعية ضمن قائمة المستفيدين من دعم المؤسسات، لا غير.

فمكناس التي أنجبت فنانين كباراً واحتضنت أسماء بارزة، تستحق مهرجاناً في مستوى تاريخها الفني والحضاري، لا نسخة رتيبة مكررة من تظاهرة لم تُبدع يوماً ولم تتطور قط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *