رغم تراجع أسعار النفط عالميًا.. لوبيات المحروقات تواصل استنزاف جيوب المغاربة

رغم الانخفاض الملحوظ الذي شهدته أسعار النفط في الأسواق العالمية، خصوصا بعد تراجع سعر البرميل إلى ما دون 65 دولاراً، يواصل المغاربة معاناتهم اليومية مع ارتفاع أسعار المحروقات، التي لم تعرف أي تراجع يُذكر يعكس هذا الانخفاض الدولي. هذا التناقض الصارخ يُعيد إلى الواجهة مجدداً قضية التحكم في سوق المحروقات الوطني من طرف لوبيات قوية، تتصدرها الشركة الأكبر في مجال التوزيع على مستوى القارة الإفريقية والمغرب على وجه الخصوص.
ففي الوقت الذي تنتظر فيه الأسر المغربية انخفاضاً في فواتير التنقل والخدمات وأسعار المواد الأساسية المرتبطة بتكاليف النقل، تُفاجأ باستمرار الأسعار في مستوياتها المرتفعة، دون مبررات اقتصادية واضحة، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام مبدأ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، ومدى التزام شركات التوزيع بتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه المواطنين.
الخبراء الاقتصاديون والمراقبون للشأن الطاقي يربطون هذا الوضع بتحكم فئة محدودة من الفاعلين الاقتصاديين في السوق الوطنية، مستغلين غياب تسقيف فعّال للأسعار، وانعدام إرادة حقيقية لدى الحكومة لفتح تحقيق شامل في هوامش الربح الضخمة التي تجنيها هذه الشركات على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
هذا ولا يخفى على أحد أن مجلس المنافسة سبق أن كشف في تقاريره السابقة عن تجاوزات خطيرة في هذا القطاع، موضحاً أن بعض شركات التوزيع تحقق أرباحاً فاحشة وغير مبررة مقارنة بتكلفة الاستيراد والتخزين والتوزيع. ومع ذلك، بقيت التوصيات والملاحظات حبيسة التقارير، دون أن تُترجم إلى إجراءات ملموسة توقف هذا النزيف المستمر.
ويزداد الوضع استفزازاً في ظل صمت رسمي مطبق، وعجز حكومي عن التدخل أو حتى التواصل مع المواطنين حول أسباب عدم انعكاس انخفاض السوق الدولية على الأسعار الداخلية، ما يعمق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويغذي الإحساس العام بغياب العدالة الاقتصادية.
جدير بالذكر أن استمرار هذا الوضع يُعتبر اختباراً حقيقياً لمصداقية الشعارات الحكومية المتعلقة بالحماية الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية، كما يطرح بإلحاح ضرورة تفعيل آليات الرقابة وإعادة النظر في تركيبة الأسعار، وفتح الباب أمام منافسة شريفة تضع المواطن في صلب السياسات العمومية، بدل تحويله إلى مجرد رقم في معادلات الربح والاحتكار.
وفي ظل هذا السياق، تتعالى الأصوات المطالِبة بمساءلة الشركات الكبرى، وإعادة تشغيل مصفاة “سامير” لتقوية السيادة الطاقية للمغرب، وكسر هيمنة الفاعلين الكبار الذين لا يرون في جيب المواطن إلا وسيلة لتعظيم الأرباح، ولو على حساب معاناته اليومية.