الرادارات المتخفية تُشعل المحاكم.. بين أحكام البراءة والطعن بالنقض

عادت إلى الواجهة من جديد قضية ما بات يُعرف بـ”الرادارات المتخفية” على طرقات المملكة، بعدما شهدت مناطق مختلفة وقائع مثيرة فجّرت النقاش القانوني والحقوقي حول مشروعية هذا النوع من المراقبة الطرقية، وعلى رأسها حالتان متقاربتان في مدينتي ورزازات وشفشاون.

في ورزازات، كان السائق أمام مخالفة تتعلق بتجاوز السرعة، حيث تم رصد سيارته تسير بسرعة 76 كيلومتراً في الساعة، بينما الحد الأقصى المسموح به هو 60. لكن السائق أنكر الواقعة، مؤكداً أنه لم يتم توقيفه لحظة ارتكابه المخالفة، بل تم إبلاغه بها لاحقاً عند سد أمني، دون أي إثبات مادي مباشر. الأخطر من ذلك، أنه أشار إلى أن المحضر الذي سُجّل في حقه لم يُحرره من عاين المخالفة، بل تم الاعتماد فيه على صورة تم التقاطها من طرف دركي مختبئ في مكان بعيد، وأُرسلت إلى عناصر السد الأمني عبر تطبيق “واتساب”.

بناء على هذه المعطيات، قضت المحكمة الابتدائية بورزازات ببراءة السائق، واعتبرت المحضر باطلاً لعدم احترامه شروط المعاينة القانونية. غير أن محكمة النقض تدخلت لاحقاً، لتنقض هذا الحكم وتعتبره غير سليم من الناحية القانونية، وهو ما يعني أن المحضر الذي تم تحريره بناءً على الصورة المُرسلة يظل معتمدًا في نظر المحكمة الأعلى درجة.

قانونياً، تجدر الإشارة إلى أن المخالفات التي يُعاقب عليها بالغرامة فقط لا تقبل الاستئناف، بل الطعن بالنقض مباشرة، كما تنص على ذلك المادة 396 من قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يفسر الانتقال السريع للملف إلى محكمة النقض بعد صدور الحكم الابتدائي.

أما الواقعة الثانية فكانت بمدينة شفشاون، وتحديداً بتاريخ 19 مارس 2025، حيث أصدرت المحكمة الابتدائية حكماً يقضي بإلغاء محضر مخالفة سير تم تسجيله بنفس الطريقة، أي عبر رادار متخفٍّ، مع إرجاع مبلغ الغرامة الذي أداه الطاعن وتحميل الخزينة العامة للدولة مصاريف الدعوى.

وتعود تفاصيل هذه القضية إلى توقيف محامٍ ينتمي لهيئة تطوان، بدعوى تجاوزه للسرعة القانونية بإحدى الطرق الوطنية. لكن المحامي لم يتقبل التهمة بسهولة، وطالب من الدركيين إطلاعه على الرادار والصورة المثبتة للمخالفة، وهو ما رُفض، فقرر الطعن في المحضر. وقد بيّن في طعنه أن من حرر المحضر لم يعاين الواقعة بشكل مباشر، بل تسلم المعلومات من دركي آخر كان يراقب الطريق بشكل خفي، ثم أرسل بيانات المخالفة عبر وسيلة اتصال داخلية.

المحكمة اعتبرت أن هذا السلوك يخالف بشكل صريح القوانين الجاري بها العمل، التي تلزم بأن تتم المعاينة من طرف نفس الشخص الذي يحرر المحضر، ضماناً للحياد والمصداقية والحق في الدفاع. وعلى هذا الأساس، قررت إلغاء المحضر بالكامل، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً واعتُبرت انتصاراً لحقوق السائقين.

لكن الأمور لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ تشير المعطيات إلى أن وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بشفشاون قرر بدوره الطعن بالنقض في هذا الحكم، تماماً كما حدث في حالة ورزازات، ما يجعل الملفين مرشحين لأن يكون لهما تأثير مستقبلي على مسار استعمال الرادارات المتخفية في المغرب، وعلى قراءة القضاء لفلسفة الزجر والضبط الطرقي.

القضيتان معًا تعيدان النقاش حول مدى شرعية الرادارات المتخفية التي تُنصب دون علم السائقين، وتُوظف لتسجيل مخالفات عن بعد دون مواجهة مباشرة، ما يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية حول مبدأ العدل، وضمانات المحاكمة العادلة في أبسط صورها، حتى في مخالفات السير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *