هل ينذر جدل “سبتة ومليلية” بتجدد التوتر بين المغرب وإسبانيا؟

أعادت الرسالة التي وجهتها الحكومة المغربية الى مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة، الجدال مرة أخرى حول مدينتي سبتة ومليلية، وهو ما أثار مخاوف حول احتمال عودة التوتر بين المغرب واسبانيا بعد أشهر قليلة من انفراج أزمة ديبلوماسية غير مسبوقة
ونفت الرسالة المغربية “وجود حدود برية” بين الرباط ومدريد وأكدت أن مدينتي سبتة ومليلية “ثغران محتلان”، وفي المقابل عبر رئيس الحكومة الإسبانية عن رفضه للتصريحات المغربية لأنها “موقف خاطئ” مؤكدا أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان متمتعتان بالحكم الذاتي.
وكانت العلاقات بين المغرب وإسبانيا قد شهدت أزمة حادة استمرت نحو عام، اندلعت بسبب استضافة مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، وتفاقمت مع تدفق نحو 10 آلاف مهاجر على مدينة سبتة معظمهم مغاربة وبينهم الكثير من القاصرين.
وجاءت المصالحة بين البلدين بعد أن قرر بيدرو سانشيز، في مارس الماضي، دعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، وأيضا عقب المباحثات التي أجراها سانشيز أثناء زيارته إلى الرباط، في أبريل الماضي، مع العاهل المغربي الملك محمد السادس، انتهت بوضع “خارطة طريق دائمة وطموحة”.
“أصل الخلاف”
ويعود الخلاف بشأن مدينتي سبتة ومليلية لعدة قرون حيث تأرجحت فيه موازين القوى بين البلدين قبل أن تميل الكفة لصالح إسبانيا.
وتبدأ قصة سقوط المدينتين مع ضعف إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، ليحتل البرتغاليون سبتة عام 1415، ثم سقطت مليلية في يد الإسبان عام 1497، وظلت سبتة تحت الاحتلال البرتغالي حتى عام 1580 عندما قامت إسبانيا بضم مملكة البرتغال.
وبعد استقلاله عام 1956، طالب المغرب بأحقيته في سبتة ومليلية لكن إسبانيا احتفظت بهما وصادقت الحكومة الإسبانية عام 1995، على منح الحكم الذاتي لسبتة ومليلية، لكن المغرب رفضه وأكد أنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها.
وتعزيزا لتوجه الحكومة الإسبانية، زار ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس، في 2007، المدينتين وذلك للمرة الأولى، مما أثار غضبا في المغرب، وتجددت الدعوات باستعادتهما، غير أن المغرب لم يعترف بشرعية السيادة الإسبانية على مدينتي سبتة ومليلية، ويقول إنهما آخر مستعمرتين في أفريقيا.
“علاقات جوار متشابكة”
وتعليقا على الموضوع، يرى أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في كلية الحقوق بوجدة (شرق المغرب)، بن يونس المرزوقي، أن الجدل الحاصل حول سبتة ومليلية ينبغي وضعه في إطاره الأشمل وهو علاقات جوار متشابكة فيها من العناصر ما يجر إسبانيا إلى ماضيها الاستعماري وفيها ما يجر المغرب إلى مستقبله الوحدوي.
وتابع المرزوقي موضحا أن الإشكال اليوم ليس مسألة حدود برية بل يخفي وراءه أساسا الحدود البحرية التي قرر المغرب إعادة تحيينها وسيكون المتضرر منها هي إسبانيا سواء في شمال المغرب (سبتة ومليلية وبعض الجزر) أو جنوبه (جزر الكناري).
وفي هذا السياق، أشار المرزوقي إلى أن “الطبقة السياسية الإسبانية تعي ذلك جيدا وستحاول الدفاع عن وضعية بلادها بالمزيد من الضغط على المغرب لأنها تعلم جيدا أن الإشكال جوهر الموضوع هو الحكم الذاتي للصحراء المغربية”.
واستبعد المتحدث ذاته، أن يؤدي هذا الجدل إلى توتر جديد بين البلدين، معتبرا أن الأمر يتعلق بتسجيل مواقف تمنح لكل طرف قوة تفاوضية أكثر على مستوى ترسيم الحدود البحرية للمغرب، ومستوى محاربة الجريمة المنظمة التي تضر أساسا بإسبانيا من قبيل الاتجار بالبشر والهجرة السرية وتهريب المخدرات.
وقال المتحدث، “يتحكم في كل هذا عنصر واحد هو وعي كلا البلدين بالضرورة بأن الحل هو التعاون وليس الصدام”.
“موقف قديم يتجدد”
وبدوره، أكد الخبير المغربي في العلاقات الدولية، حسن بلوان، عدم تأثير رسالة المغرب إلى الأمم المتحدة على العلاقات بين الرباط ومدريد، على اعتبار أن إسبانيا حسمت موقفها بأن مصلحتها الاستراتيجية تكمن في علاقات متميزة مع المغرب.
وأضاف أن المغرب على مشارف زيارة مهمة لرئيس الوزراء الإسباني لاستكمال مجموعة من الترتيبات والمشاريع وأوراش التعاون الثنائي بين البلدين.
وقال بلون، إن “الجدل الذي خلفته رسالة المغرب إلى الأمم المتحدة حول الحدود مع إسبانيا هو موقف قديم يتجدد دائما.
وبشأن سياق الرسالة المغربية، قال الخبير المغربي إن إسبانيا دأبت على إرسال رسائل مشفرة إلى المغرب خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء، وأن المغرب يرد أيضا برسائل مماثلة في ما يتعلق بملف سبتة ومليلية.
ويعتقد المصدر ذاته، بأن المغرب من ناحية لا يريد أن يفرط في سبتة ومليلية ولكن في نفس الوقت يؤكد بأن السكوت أو تأجيل النقاش لوضع المدينتين إنما هو فقط مسألة وقت وترتيبات.
“استمرار الجدل”
ومن جانبه، أفاد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة (شمال المغرب)، محمد غربي، بأن موضوع ثغري سبتة ومليلية سيبقى محل جدل كبير بين الرباط ومدريد.
وأوضح أنه من الناحية التاريخية فإن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان تم احتلالهما في بداية الكشوفات الجغرافية الكبرى على امتداد القرنين 14 و15 وهما ليسا فوق الأراضي الأوروبية، مؤكدا ان المغرب لن يتوقف عن المطالبة في كل المحافل الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة بضرورة استرجاع هذين الثغرين.
وأشار غربي إلى أن المغرب منذ بداية الاستقلال قد دخل في مسلسل لن يتوقف عنه أبدا وهو ضرورة استعادة كل الثغور المغربية التي لا زالت محتلة سواء في الخمسينيات أو الستينيات، كما هي المسيرة الخضراء المظفرة في عام 1975 وكما هو إقليم الداخلة في 1979، إضافة إلى ما تبقى من الثغور المحتلة وخاصة مدينتي سبتة ومليلية.
ومن جهة ثانية، قال غربي إن “المغرب في المرحلة الراهنة يركز أكثر على استكمال الوحدة الترابية لملف الصحراء المغربية والانتصار للطرح المغربي الذي يتجلى في الحكم الذاتي، إلا أنه لن يتوانى كل ما أتيحت له الفرصة أمام المجتمع الدولي بالتأكيد على مغربية سبتة ومليلية وبكونهما مدينتين محتلتين من إسبانيا”.