مكافحة الفساد في المغرب.. بين استراتيجيات واعدة أم وعود معلقة؟

في تقرير جديد يكشف عن واقع مكافحة الفساد في المغرب، سلطت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، من خلال العدد السادس من رسالة النزاهة (يناير 2025)، الضوء على حصيلة جهود سنة 2023 والتوجهات الاستراتيجية للعام 2024، مستعرضة تحديات متواصلة رغم بعض التقدم المسجل في مجالات محددة.

التقرير لم يتردد في الإشارة إلى أن المعركة ضد الفساد لا تزال تواجه عراقيل كبرى، فبينما أحرز المغرب تحسنًا في مؤشر TRACE لمخاطر الرشوة، شهد في المقابل تراجعًا في مؤشر مكافحة الفساد الصادر عن البنك الدولي، وانخفاضًا طفيفًا في مؤشر سيادة القانون. هذا التباين يعكس واقعًا معقدًا يتمثل في جهود تُبذل في بعض الاتجاهات، لكنها تصطدم بجدران صلبة من البيروقراطية وضعف آليات التنفيذ.

رئيس الهيئة، البشير الراشدي، لم يُخفِ صعوبة المهمة، مشددًا على أن الفساد يتخذ أشكالًا متداخلة يصعب تفكيكها بمقاربات قانونية صرفة، وأكد أن مواجهته تتطلب استراتيجيات شاملة تتقاطع فيها التوعية والوقاية مع الزجر الحازم، لأن أي جهد يبقى قاصرًا ما لم يُرفَق بإصلاحات عميقة في التربية، التكوين، وتقنين المعاملات الإدارية والاقتصادية، لضرب أوكار الفساد في مهدها قبل أن تستفحل.

ورغم ما تم الإعلان عنه من خطط وإصلاحات، إلا أن التقرير كشف استمرار العراقيل التي تعيق تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، فضعف التنسيق بين الفاعلين المعنيين، وغياب الفعالية في تحقيق الأهداف المسطرة، والتباطؤ في تنزيل الإصلاحات، كلها عوامل تجعل النتائج دون التطلعات، ومن هذا المنطلق، أوصى التقرير بضرورة إعادة هيكلة هذه الاستراتيجية، مع التركيز على ضمان تنفيذها بشكل يحقق أثرًا ملموسًا، بدل الاكتفاء بإعلانات تبقى حبيسة التقارير.

وفي محاولة لتجاوز هذا الواقع، وضعت الهيئة خطة عمل لعام 2024 تتضمن 124 مشروعًا موزعًا على ستة محاور استراتيجية، وتهدف إلى تحقيق 37 هدفًا إجرائيًا ضمن برنامج يمتد من 2023 إلى 2025، وتشمل هذه المحاور تعزيز الحوكمة، محاربة الفساد في القطاعين العام والخاص، وتطوير التشريعات ذات الصلة، في خطوة تأمل الهيئة أن تحدث فرقًا حقيقيًا، لا مجرد تعديلات شكلية.

على المستوى الدولي، سجل التقرير انخراط الهيئة في عدة فعاليات لتعزيز النزاهة، حيث شاركت في مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد، ولجنة الأمم المتحدة للوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية، بالإضافة إلى اجتماعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما أبرمت الهيئة مذكرات تفاهم مع مؤسسات دولية، من بينها هيئة النزاهة الأردنية وهيئة الرقابة الإدارية المصرية، لتعزيز تبادل الخبرات وتنسيق الجهود في مجال مكافحة الفساد.

وفي سياق التحول الرقمي، أطلقت الهيئة منصات إلكترونية متخصصة، أبرزها بوابة “نزاهة” لتلقي الشكايات والتبليغات، إلى جانب منصة أخرى لنشر التقارير والمعلومات المتعلقة بسياسات مكافحة الفساد، كما وسعت نطاق أدوات الرصد والمراقبة الرقمية لتسهيل الوصول إلى المعلومات، وتعزيز الشفافية في تدبير الملفات المرتبطة بالنزاهة والحكامة.

ورغم هذه الجهود، لا تزال المؤشرات الدولية تُظهر أن المغرب لم يحقق بعد قفزة نوعية في مكافحة الفساد، وكشف التقرير عن تراجع في بعض التصنيفات، بينما أحرز تقدمًا في مجالات أخرى، مثل تقليص مخاطر الرشوة وتعزيز آليات الحوكمة، هذا التذبذب يعكس واقعًا مفاده أن بعض الإصلاحات تبدو واعدة على الورق، لكنها تواجه عراقيل عند التنفيذ، مما يجعل أثرها على أرض الواقع محدودًا.

أكدت الهيئة في ختام هذا التقرير أنها ستواصل جهودها لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، من خلال تطوير السياسات، توسيع الشراكات الدولية، والانتقال من التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، ولضمان ذلك، وضعت آليات تتبع دقيقة ومؤشرات قياس واضحة لمراقبة مدى تحقيق الأهداف المحددة. غير أن هذه الجهود، مهما بلغت قوتها، لن تحقق المأمول دون إرادة سياسية صلبة، وانخراط حقيقي لكل الفاعلين، سواء داخل الحكومة، المجتمع المدني، أو القطاع الخاص، لأن أي تراخٍ أو تساهل يعني إعادة إنتاج نفس الممارسات التي أعاقت التنمية لعقود، وجعلت محاربة الفساد معركة مفتوحة بلا نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *