برلمان الامتيازات.. غيابٌ مدفوع الأجر وعبثٌ على حساب الشعب

المستقل | هيئة التحرير

مرة أخرى، يغرق البرلمان المغربي في مستنقع السلبية أمام الرأي العام، وكأن لعنة الغياب أصبحت قدرًا محتومًا عليه، لا يُشفى منها إلا في يوم واحد كل سنة، خلال افتتاح الدورة التشريعية التي يترأسها الملك، أما باقي الأيام، فالجلسات تبدو كصدى لأصوات متناثرة بين كراسي فارغة، ونواب يظهرون ويختفون كأنهم يؤدون مسرحية عبثية، بكلفة باهظة يدفعها المواطن من جيبه.

وبعيدًا عن تهمة “الخيانة” التي رمى بها راشيد الطالبي العلمي النواب المنسحبين من جلسة التصويت على مشروع قانون الإضراب، يبقى السؤال معلقًا بلا إجابة، كم يكلّف هذا البرلمان المغاربة سنويًا؟ وما الذي يقدمه في المقابل؟ فالمؤسسة الدستورية التي يُفترض أن تكون معقل التشريع والرقابة، أصبحت بالنسبة للبعض وسيلة لضمان راتب شهري سمين، وتقاعد مريح، وامتيازات بالجملة، فيما يراها البعض الآخر مجرد بطاقة عبور نحو وجاهة اجتماعية تلصق على زجاج السيارة بشارة خاصة، تفتح لهم الأبواب المغلقة وتمنحهم امتيازات لا يستحقونها.

وحتى لو حضر النواب، هل كان ذلك سيُحدث فرقًا؟ بعض المتتبعين يعتبرون أن النقاش حول الغياب في حد ذاته ترف فكري، لأن حضور نسبة كبيرة من النواب لا يختلف كثيرًا عن غيابهم، نظرًا لمستواهم الفكري والتعليمي المتواضع، والمنعدم أحيانًا، وبالتالي كيف يمكن لبرلمان يُفترض فيه أن ينتج القوانين وينظم الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد، أن يحتوي على نواب لم يطرحوا سؤالًا واحدًا طيلة ولايتهم؟ بل إن بعضهم، حين منح فرصة الكلام، نسي السؤال الذي كان من المفترض أن يطرحه، وآخر قرأ سؤالًا لا يعلم حتى مضمونه، قبل أن يتم إنقاذه بورقة جديدة سُلمت إليه وسط البث المباشر.

ورغم ذلك، يظل سؤال الكلفة مطروحًا بقوة، أمام تضخم الفاتورة المالية لهذا “المرفق العمومي الفاخر”، بالمقابل يُطلب من المواطن شد الحزام بسبب الأزمة الاقتصادية، هي الملايين من الدراهم التي تُصرف لتحفيز النواب على حضور الجلسات، في مشهد عبثي لم يحدث حتى في أعرق الديكتاتوريات. 

هذه الظاهرة ليست مقتصرة على البرلمان وحده، بل انتقلت كعدوى إلى المجالس الجماعية، حيث يستنزف المنتخبون ميزانيات ضخمة دون أن تطأ أقدامهم قاعات الاجتماعات، سيارات فاخرة، سفريات للخارج، هواتف نقالة، تعويضات عن المهام، لكن دون أدنى التزام بالحضور، كل هذا يتم في ظل تعطيل المادة القانونية التي تتيح عزل أي عضو تغيب عن ثلاث دورات متتالية بدون مبرر مقنع، فهل من المستغرب بعد ذلك أن تجد عددًا من البرلمانيين الذين غابوا عن الجلسات التشريعية، هم أنفسهم مستشارون أشباح في الجماعات الترابية؟

الأمر هنا لا يتعلق فقط بغياب فردي، بل هو سلوك سياسي مركب، ناتج عن غياب التربية الحزبية وانعدام آليات المحاسبة داخل التنظيمات السياسية، فالأحزاب التي تعجز عن فرض الانضباط على منتسبيها، وتستمر في تزكية الأعيان والوجهاء فقط لضمان المقاعد، لا يمكنها أن تنتج برلمانًا فاعلًا أو مجالس جماعية منتجة.

وحين يصل الأمر ببعض النواب إلى المطالبة بالمزيد من الامتيازات، بحجة توفير “ظروف العمل الملائمة”، فإن الأمر يصبح فضيحة سياسية بامتياز، تذاكر طيران مجانية، فنادق مصنفة، سيارات فارهة، كلها مطالب تتكرر في كل ولاية، وكأن المهمة الأساسية للنائب لم تعد التشريع، بل البحث عن أفضل العروض السياحية، والأدهى من ذلك أن رئاسة المؤسسة التشريعية، وبدلًا من اتخاذ إجراءات رادعة، تتجاهل هذا العبث وتتجنب حتى إعلان أسماء المتغيبين، حفاظًا على “التوافقات السياسية” وإرضاءً للوبيات النفوذ داخل البرلمان.

وبالتالي لا يمكن انتظار تغيير جذري في الأداء البرلماني ما دامت الأحزاب نفسها لا تستثمر في تكوين نخب سياسية حقيقية، قادرة على التشريع والرقابة والمساءلة، وعليه وفي غياب هذا التكوين، يظل البرلمان مجرد مؤسسة لاقتناص الامتيازات، ويظل العمل السياسي رهينة في أيدي حفنة من الانتهازيين، يزايدون على المواطنين بشعارات جوفاء، بينما هم أول من يقفز لالتهام “الكعكة” عند أول فرصة.

هذا الواقع، للأسف، يحكم على البرلمان المغربي بأن يبقى مجرد مسرحية هزلية، حيث يكون المواطن هو المتفرج الوحيد، لكنه للأسف ليس الضاحك، بل الضحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *