صدام متجدد بين الحكومة ومؤسسات الحكامة.. تقارير الفساد تثير غضب أخنوش وفريقه

المستقل | الرباط
كالعادة، لم تفوت الحكومة الفرصة لافتعال مواجهة جديدة مع مؤسسات الحكامة الدستورية، وهذه المرة كان الهدف الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، عقب إصدارها تقريراً حول وضعية الفساد في البلاد الذي منح الحكومة تقييماً سلبياً. مع العلم أن هذه الهيئة لديها، بموجب القانون، صلاحية تقديم التوصيات والمقترحات للحكومة وإصدار تقرير سنوي يرصد حالة الفساد.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تعتمد فيها الحكومة نهج التصعيد ضد مؤسسات الحكامة الدستورية. نتذكر جيداً كيف شكك رئيس الحكومة في دوافع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عند إصدار تقريره حول الشباب، وذلك قبل أيام قليلة من عرض الحكومة لحصيلتها، وكأن الرسالة الموجهة إلى أحمد رضى الشامي كانت “توقف ولا يعجبك الحال”.
ولا يمكننا أن نتجاهل التوتر المستمر بين الحكومة والمندوبية السامية للتخطيط، نتيجة التقارير والأرقام التي تصدرها المندوبية، والتي لا تلقى قبولاً من الحكومة. بدأت هذه الخلافات منذ الشهور الأولى لحكومة عزيز أخنوش، خاصة مع بروز صراع بين وزير الصناعة رياض مزور والمندوبية. في أحد الاجتماعات البرلمانية، وجد مزور نفسه في مواجهة أرقام المندوبية، وبدلاً من الرد الواقعي، اتهمها بإصدار تقارير غير دقيقة ولا تعكس الواقع.
بل ذهب إلى حد القول، في إشارة واضحة إلى المندوب السامي لحليمي دون أن يسميه، أن هذه التقارير لا تعكس أثراً في الميدان، وأن اتباعها سيؤدي إلى تعطيل كل شيء. موقف مزور لم يكن غريباً، فقد تشكل لديه خلال تجربته كوزير، ورئيس ديوان وزير الصناعة السابق مولاي حفيظ العلمي، الذي بدوره لم تكن علاقته مع المندوبية السامية خالية من التوتر.
هذه الصراعات بين الحكومة والمندوبية ليست جديدة، بل سبق للمندوب السامي أن أشار إلى أن جميع رؤساء الحكومة، بمن فيهم أخنوش، طلبوا إعفاءه من مهامه، ما يعكس حدة الخلاف بين الحكومات المتعاقبة والمندوبية بسبب تقاريرها المحرجة.
الاصطدام بين الحكومة ومؤسسات الحكامة الدستورية يعتبر أمراً إيجابياً في حد ذاته، إذ يبرز استقلالية هذه المؤسسات عن الحكومة وحساباتها السياسية. فالتقارير والتقييمات الصادرة عن هذه الهيئات تستند إلى معطيات علمية دقيقة، بعيداً عن الاعتبارات الانتخابية أو السياسية. ومع ذلك، يبدو أن الحكومة تضيق ذرعاً بالانتقادات والمعلومات التي تخرج عن سيطرتها، ولا تجد صدى لدى مؤيديها.
ربما هناك سوء فهم بين الحكومة وهذه المؤسسات، أو ربما هناك عدم استيعاب كافٍ لدورها وأسباب وجودها في الدستور. فهذه الهيئات ليست مجرد كيانات قانونية، بل تمنحها قوتها الدستورية القدرة على ممارسة رقابة دقيقة على السياسات العمومية.
وبدل أن تستمر حكومة عزيز أخنوش في سياسة التصعيد مع هذه المؤسسات، عليها التركيز على معالجة الاختلالات التي ترصدها. فالعبرة ليست في إصدار قوانين وقرارات، بل في خلق مناخ تنافسي شفاف يُحترم فيه القانون وتُمنع فيه المحسوبية. وما يحدث في سوق المحروقات هو مثال واضح على الفساد والتلاعب الذي يجب أن يتصدى له بإرادة سياسية حقيقية، بعيداً عن محاباة اللوبيات التي تستنزف اقتصاد البلاد دون تدخل حكومي فعال.