“الداخل ليها مفقود وخارج منها مولود”.. هذه هي معاناة الطنجاويين مع النقل الحضري

المستقل _ طنجة

في الوقت الذي تعد فيه المواصلات حقا من الحقوق التي تكفلها الدولة للمواطن من خلال مجالسها الترابية ووفق شروط تصون كرامته وتصون إنسانيته وتحقق رضاه، جُعلت في المغرب كأداة لتمتص جيبه وتزيده قهرا وإذلال واحتقارا.

فبمجرد أن تطأ قدماك الحافلة تبدأ أهم حقوقك الإنسانية في التساقط تباعا طيلة رحلة قد تستغرق ساعة من الزمن وما يزيد داخل مدينة ضخمة بحجم مدينة طنجة. رحلة تهان فيها كرامتك، وتستشعر فيها معنى الحكرة وحجم الغضب المسلط عليك لمجرد أنك فرد وُلد فوق رقعة جغرافية يسود فيها الفساد، وتغلب عليها لغة المصالح الشخصية.

“الداخل ليها مفقود والخارج منها مولود”، عبارة مغربية شهيرة تنطبق على حال المواطن الطنجاوي في معاناته مع حافلات النقل العمومية داخل المدينة وضواحيها.

وهي مناسبة نتناول من خلالها واقع النقل العمومي بعاصمة البوغاز باعتبارها ثاني أكبر قطب إقتصادي بعد الدار البيضاء، وتحتضن تعدادا سكانيا لابأس به، ولكونها أنسب نموذج تكتمل فيه الصورة التي نتحدث عنها.

فبعد توقيع مجلس جماعة طنجة السابق على عقد التدبير المفوض المتعلق بقطاع النقل الحضري مع شركة “ألزا” الإسبانية، استبشرت ساكنة طنجة بنهاية مسار من المعاناة مع الحافلات “أوطاسا”، خاصة أن الشركة تعهدت بتوفير أسطول كاف من الحافلات يسد الحاجة ويضع حدا للأزمة.

لكن بمجرد أن انطلق عمل الشركة بفترة ليست بالطويلة عادت الأزمة ذاتها لتطل من جديد وتكشف التلاعب والاستهتار في هذا القطاع الحيوي والحساس الذي ينهك ميزانية الجماعة، بالرغم من أن الشركة المفوض لها تستأثر بحصة الأسد من صفقات التدبير المفوض المبرمة مع شركات أخرى بقطاعات متنوعة.

فرغم المداخيل والأرباح الكبيرة التي تجنيها هذه الشركة يوميا عبر خطوطها التي تغطي أغلب أحياء طنجة وضواحيها، فإنها لم تحسن  من خدماتها، ضاربة بعرض الحائط كل المقتضيات التي إلتزمت بها بدفتر التحملات، متسببة في معاناة لا تنتهي لمواطن كل ذنبه أنه اختار اضطرارا استقلال الحافلة في غياب البديل.

بعملية حسابية تقريبية تبلغ المداخيل السنوية لهذه الشركة أكثر من 400 مليون درهم، بمعدل 100 مليون راكب سنويا على الأقل، ومع هذا الرقم الضخم لم تجدد الشركة أسطولها منذ 14 سنة، ولم تضف عددا كافيا من الحافلات إلى الخطوط (المسارات) التي تشهد إقبالا كبيرا من طرف المواطنين، وهنا وجب طرح السؤال: هل غرض الشركة تدبير أزمة القطاع أم تدبير مدخولها؟ وما دور الفاعل السياسي الذي وقع دفتر التحملات معها؟

قطاع النقل الحضري يسري فيه من الموبقات ما يسري في غيره من القطاعات، فساد يحل ويرتحل من مؤسسة إلى أخرى يرتع كيفما شاء وقتما شاء، طالما أن التراتبية الإدارية قائمة على التسيب والمصالح الشخصية في غياب الضمير وحس المسؤولية.