نقاش حاد في المغرب حول خلفيات احتجاجات طنجة المتكررة وتصاعد التحذيرات من توظيف الملف الفلسطيني لإرباك المؤسسات

أثارت الوقفات الاحتجاجية المتكررة التي شهدتها مدينة طنجة خلال الأيام الأخيرة ردود فعل واسعة وسجالا حادا بين متابعين ومحللين للشأن السياسي بالمغرب، حيث كشف النقاش المثار عن تنامي وعي شريحة واسعة من المغاربة بخطورة توظيف القضية الفلسطينية في صراعات سياسية داخلية، أو تحويل التضامن الشعبي مع الفلسطينيين إلى وسيلة لاستفزاز السلطات وإرباك مؤسسات الدولة. 

ويعكس الحراك والنقاش اللذين رافقا هذه الاحتجاجات رفضا متزايدا لمنطق المزايدة على المواقف الوطنية، خصوصا حين يصور الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، أو إثارة ملفي سبتة ومليلية المحتلتين، وكأنه موقف مناقض لنصرة القضية الفلسطينية. حيث تؤكد هذه القراءة التحليلية أن التضامن مع فلسطين لا يتعارض مطلقا مع الدفاع عن المصالح العليا للمغرب، وأن اختزال المواقف الوطنية في ثنائية ضيقة تختصر الاختيار بين من “مع فلسطين ومن ضدها” يفتح الباب أمام استغلال قضية عادلة لخدمة حسابات سياسية ضيقة وأجندات خارجية.

وفي مقابل الرهان على الشارع والشعارات، يطرح متابعون للشأن الوطني سؤالا ملحا حول حصيلة عقود طويلة من الاحتجاج باسم فلسطين، ومدى قدرتها الحقيقية على التأثير في مراكز القرار مقارنة بفاعلية العمل الدبلوماسي. ويشير هؤلاء إلى أن المغرب، بقيادة الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس، اعتمد مقاربة واقعية تجمع بين التحرك السياسي والدبلوماسي والعمل الإنساني الميداني، مستفيدا من شبكة علاقاته الدولية المتشعبة، بما فيها علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل، للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ولا يعني ذلك بحسب التحليلات أن هذه الجهود أنهت معاناة الفلسطينيين، وإنما يؤكد أن نصرة قضيتهم لا تقاس فقط بحجم الشعارات المرفوعة، بل بقدرة التحركات الدبلوماسية على التأثير الملموس في المواقف الدولية وتعبئة الدعم وتقديم المساعدات.

ومن هذا المنطلق، فإن تحويل الاختلاف حول أساليب التضامن إلى محاكمات وتخوين أو تشكيك في كل تحرك دبلوماسي لا يخدم الفلسطينيين بقدر ما يختزل قضية بحجم قضيتهم في سجالات سياسية محدودة الأفق.

من جهة أخرى، يثير تكرار الاحتجاجات بمدينة طنجة تحديدا، في سياق وطني وإقليمي دقيق، تساؤلات مكثفة بشأن خلفياته والرهانات التي قد تتجاوز التضامن المعلن مع غزة. وبالتالي فاستثمار التعاطف الشعبي الواسع مع المأساة الفلسطينية قد يشكل مدخلا لتوجيه الغضب نحو أهداف سياسية أخرى، فيما تذهب قراءات أكثر تشددا إلى احتمال استفادة أطراف خارجية من هذه التحركات لإرباك المؤسسات المغربية واستنزافها في توترات متكررة. ووفق هذه الأطروحة، فإن تزامن الاحتجاجات وتكرارها يستحقان التوقف عندهما بدل التعامل مع كل تحرك بمعزل عن سياقه العام، موضحين أن المسألة لا تتعلق بالطعن في حق المواطنين في التضامن والتعبير المكفولين، وإنما بالتحذير من توظيف هذا الحق لخدمة أجندات خارجية تستهدف التماسك الداخلي للمغرب، خصوصاً في مرحلة حساسة تتطلب تركيز الجهود على رهانته الاستراتيجية.

ومن بين النقاط التي غذت هذا النقاش المحتدم، استعمال أوصاف وهجمات إعلامية من قبيل “الذباب الإلكتروني الصهيوني” في مواجهة الأصوات التي تنتقد توظيف القضية الفلسطينية، أو تعتبر الدفاع عن الصحراء المغربية وسبتة ومليلية أولوية وطنية لا تقبل المساومة. ويرى منتقدو هذا الخطاب أنه يحول الخلاف السياسي إلى محاكمة للنوايا، ويضع المغاربة أمام معادلة زائفة مفادها أن نصرة فلسطين تقتضي الصمت عن القضايا الوطنية أو تبني مواقف تيارات سياسية بعينها. والحال أن الدفاع عن السيادة المغربية لا يجعل صاحبه مناهضا للفلسطينيين، مثلما أن التضامن مع غزة لا يفرض الاصطفاف وراء أي جهة تحاول احتكار هذه القضية أو توظيفها لتصفية حسابات داخلية.

وخلصت التقييمات الشاملة للوضع إلى أن ما يجري في طنجة لا ينبغي اختزاله في مجرد شعارات للتضامن، بل يتعين النظر إليه من زاوية تداعياته المحتملة على الاستقرار الداخلي، والجهات التي قد تستفيد من استمرار التوتر. فحين تصبح القضية الفلسطينية مدخلا لمهاجمة المؤسسات الوطنية أو التشويش على الأولويات الاستراتيجية للمملكة، فإن الدفاع عنها يتحول إلى غطاء لممارسة سياسية تتجاوز أهداف التضامن المعلنة. ومن هذا المنطلق، يظل استغلال أطراف خارجية لهذه التحركات لإرباك المغرب جزءا أساسيا من القراءة التي يطرحها منتقدو هذا المسار، فالمغرب الذي ظل يدعم فلسطين لعقود من الزمن لا يحتاج إلى الفوضى لإثبات موقفه، والمغاربة الذين يناصرون غزة ليسوا مطالبين بالتنازل عن قضايا وطنهم، وأي محاولة لاستثمار التعاطف مع الفلسطينيين لضرب التماسك الوطني تصطدم بوعي متزايد يرفض تحويل قضية عادلة إلى أداة للإضرار بمصالح البلاد العليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *